مواد غذائية منتهية الصلاحية.. خطر صحي يتجدد رغم الرقابة / ام كلثوم منت العالم

نواكشوط – العين ميديا : لا تبدو المواد الغذائية منتهية الصلاحية في أسواق نواكشوط مجرد مخالفات تجارية عابرة، بل تكشف المعطيات الرسمية والعمليات الميدانية المتكررة عن مشكلة تمس مباشرة سلامة الغذاء والصحة العامة، في وقت تتسع فيه الأسواق والمحلات ونقاط بيع المواد الغذائية في العاصمة.
وخلال عام 2026، أعلنت الوكالة الموريتانية لسلامة الأغذية عن عمليات تفتيش ومصادرة في عدد من أسواق العاصمة، فيما أعلنت وزارة التجارة في يوليو الماضي مصادرة أكثر من خمسة أطنان من المواد الغذائية منتهية الصلاحية خلال عمليات في أسواق نواكشوط.
مصادرات جديدة في 2026
في 12 مايو 2026، نفذت الوكالة الموريتانية لسلامة الأغذية عملية تفتيش مفاجئة داخل مجمع تجاري في عين طلح بنواكشوط الشمالية، عقب شكوى وصلت عبر الرقم الأخضر 1113.
وقالت الوكالة إنها عثرت على كميات من الأغذية والمشروبات المنتهية الصلاحية معروضة للبيع، بينها أكثر من 100 قارورة من المشروبات الغازية، ومعكرونة ومنتجات تحمل علامة «Fino»، إضافة إلى خمس خنشات من المعلبات الفاسدة.
كما سجلت فرق التفتيش ظروف تخزين غير مطابقة للمعايير، بينها خلط منتجات منتهية الصلاحية بأخرى ما تزال صالحة، فضلاً عن دجاج وبيض مخزن في ظروف غير مناسبة، ما أدى إلى إتلاف المنتجات الفاسدة.
وفي الأول من يوليو 2026، أعلنت الوكالة عن عملية أخرى في مقاطعة الميناء بنواكشوط الجنوبية، أسفرت عن حجز مواد غذائية منتهية الصلاحية شملت العصائر ومنتجات الألبان والتمور والمشروبات الغازية والبسكويت وعلب السردين، مع سحبها من السوق ومنع تسويقها.
وفي السادس من يوليو، نقلت الوكالة الموريتانية للأنباء عن فرق حماية المستهلك مصادرة أكثر من خمسة أطنان من المنتجات المنتهية الصلاحية في أسواق نواكشوط، إضافة إلى إتلاف 572 كرتوناً من الفواكه المجففة والبسكويت المنتهي الصلاحية.
أرقام تكشف حجم المشكلة
وتظهر التقارير الرسمية السابقة أن عمليات المصادرة ليست جديدة ولا محدودة.
ففي تقريرها السنوي لعام 2023، أعلنت وزارة التجارة إجراء 5228 جولة تفتيش أسفرت عن 37360 عملية تفتيش للمحلات والمجازر والمجمعات التجارية والمخابز.
وخلال تلك العمليات سجلت الوزارة 2796 مخالفة مرتبطة بالمواد منتهية الصلاحية، وأعلنت مصادرة 1056 طناً من المواد الفاسدة والمنتهية الصلاحية، بينها ألبان وعصائر ومشروبات ومواد صلبة مثل السكر والأرز والبسكويت، مؤكدة إتلاف المواد المصادرة.
وفي العام نفسه، تضمنت العمليات في نواكشوط مصادرة نحو 30 طناً من المواد الفاسدة والمنتهية الصلاحية في سوق «أف» بمقاطعة السبخة، إضافة إلى حجز 39 طناً من الألبان غير الصالحة للاستهلاك في نواكشوط الجنوبية، ومصادرة نحو 40 طناً من العصائر في نواكشوط الغربية، وإتلاف طنين من حليب الأطفال غير الصالح للاستهلاك.
وفي يونيو 2023 وحده، سجلت فرق حماية المستهلك 110 مخالفات تتعلق بمواد منتهية الصلاحية، وصادرت 125.7 طناً من المواد الفاسدة والمنتهية الصلاحية.
أما في مايو 2024، فقد أعلنت الوزارة عن 193 مخالفة مرتبطة بمواد منتهية الصلاحية ومصادرة 103 أطنان من المواد الفاسدة والمنتهية الصلاحية، وإغلاق 148 محلاً بسبب مجموعة من المخالفات بينها عرض مواد منتهية الصلاحية.
وفي مارس 2024، أشرفت الوزارة على إتلاف 173 طناً من ألبان «بروميس» غير الصالحة للاستهلاك في نواكشوط الشمالية، إضافة إلى ثلاثة أطنان من لبن «الوردة» في نواكشوط الجنوبية.
كما أعلنت الوزارة في مايو 2025 عن مصادرة 15 طناً من مادة «اكنور» منتهية الصلاحية، وحجز كميات من الحليب في محلات بنواكشوط لإخضاعها للتحليل بعد تلقي شكاوى بشأن صلاحيتها.
ليست المشكلة في انتهاء التاريخ وحده
من الخطأ اختزال سلامة الغذاء في الرقم المطبوع على العبوة.
فالمنتج قد يصبح خطراً بسبب سوء التخزين، وارتفاع درجات الحرارة، والرطوبة، وتلف العبوة، وانقطاع سلسلة التبريد أو التلوث الميكروبي حتى قبل بلوغ تاريخ الانتهاء.
وهذا ما تؤكده وقائع التفتيش في نواكشوط؛ ففي إحدى عمليات عين طلح، لم تقتصر المخالفات على وجود منتجات منتهية الصلاحية، بل شملت كذلك ظروف تخزين غير صحية وخلط المنتجات المنتهية بمنتجات أخرى صالحة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأمراض المنقولة بالأغذية يمكن أن تنتج عن البكتيريا والفيروسات والطفيليات والمواد الكيميائية والسموم، وأن الأغذية غير المأمونة قد تسبب أكثر من 200 مرض، تبدأ من الإسهال والتسممات الحادة وقد تصل إلى أمراض مزمنة وبعض أنواع السرطان.
وتوصي المنظمة بعدم استخدام الطعام بعد تاريخ انتهاء صلاحيته، إلى جانب الحفاظ على الأغذية في درجات حرارة آمنة وعدم ترك الطعام المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لفترات طويلة.
خطر التسمم ليس افتراضياً
وفق أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية، يتسبب الغذاء الملوث في إصابة نحو 866 مليون شخص سنوياً حول العالم، ويتسبب في وفاة نحو 1.52 مليون شخص كل عام.
وتقول المنظمة إن الأطفال دون الخامسة يتحملون 29% من العبء الصحي الناجم عن الأغذية غير المأمونة، مع تسجيل نحو 143 ألف وفاة في هذه الفئة خلال 2021.
وتشمل المخاطر البكتيريا مثل السالمونيلا والإشريكية القولونية والشيغيلا، إضافة إلى الفيروسات والطفيليات والسموم والملوثات الكيميائية.
ومن بين الأعراض الممكنة للتسممات والأمراض المنقولة بالأغذية: الغثيان والقيء والإسهال وآلام البطن والحمى، بينما يمكن أن تكون بعض الإصابات أكثر خطورة، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة.
الحرارة.. عامل إضافي في نواكشوط
تكتسب ظروف التخزين أهمية خاصة في بيئة نواكشوط الحارة.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الكائنات الدقيقة يمكن أن تتكاثر بسرعة عندما تُحفظ الأغذية في درجات حرارة غير آمنة، وتوصي بإبقاء الأغذية المبردة في درجات منخفضة مناسبة وعدم ترك الأغذية المطبوخة في درجة حرارة الغرفة أكثر من ساعتين.
وبالتالي، فإن عبوة لم تنته صلاحيتها بعد ليست بالضرورة آمنة إذا كانت قد تعرضت لسوء التخزين أو درجات حرارة مرتفعة أو تلف في سلسلة التبريد.
وهذا يفسر أهمية أن تشمل الرقابة ظروف التخزين والنقل والعرض والنظافة وسلامة العبوة، وليس تاريخ الصلاحية وحده.
ماذا يقول المجتمع المدني؟
لم يكن المجتمع المدني الموريتاني بعيداً عن الظاهرة.
وفي تصريحات إعلامية، قال رئيس منتدى المستهلك الموريتاني الخليل ولد خيري إن المنتدى تلقى شكاوى تتعلق بمنتجات لا تحمل تاريخ صنع أو نهاية صلاحية، وربط جانباً من المشكلة بضعف أنظمة الجودة داخل بعض وحدات الإنتاج، داعياً إلى تعزيز الرقابة وتوفير الوسائل البشرية والمخبرية اللازمة.
كما تحدث ولد خيري عن شكاوى متعلقة ببيع وتدوير المواد منتهية الصلاحية، ودعا المستهلكين إلى توثيق المخالفات والإبلاغ عنها، معتبراً أن الرقابة الرسمية والمجتمع المدني والإعلام بحاجة إلى العمل بصورة تكاملية.
وفي تقرير سابق، أطلقت جمعية حماية المستهلك الموريتانية حملة تحسيسية في نواكشوط للتحذير من المواد الغذائية منتهية الصلاحية، بعد تلقي شكاوى بشأن وجودها في الأسواق.
الخبراء: سلامة الغذاء لا تُقاس دائماً بالعين
تتفق المعطيات العلمية مع التحذيرات المحلية في نقطة أساسية: عدم ظهور علامات التلف لا يعني بالضرورة أن الغذاء آمن.
ويؤكد خبراء سلامة الغذاء أن بعض الميكروبات والمخاطر لا يمكن اكتشافها بمجرد النظر أو الشم، ما يجعل احترام تاريخ الصلاحية وشروط التخزين والمعالجة والنظافة جزءاً أساسياً من الوقاية.
أما في موريتانيا، فقد اعتبر أستاذ جامعة نواكشوط والخبير الدولي في التغذية والصحة العمومية البروفيسور الشيخ محمد الحافظ دهاه إنشاء الوكالة الموريتانية لسلامة الأغذية عام 2023 خطوة ذات طابع استراتيجي لمواجهة تحديات سلامة الغذاء وتعزيز منظومة الرقابة الغذائية.
الرقابة الرسمية تتغير مؤسسياً
أنشئت الوكالة الموريتانية لسلامة الأغذية AMSSA بموجب المرسوم رقم 025-2023، وأوكلت إليها مهمة حماية صحة المستهلك وضمان سلامة الأغذية وتقييم المخاطر الصحية والغذائية، ومراقبة المنتجات منذ المواد الأولية وحتى وصولها إلى المستهلك.
وفي مايو 2026، نظمت الوكالة بالتعاون مع جهات حكومية والاتحاد الأوروبي ورشة وطنية حول الإطار القانوني والفني لسلامة الأغذية، ضمن مشروع يستهدف تعزيز قدرات الرقابة والتحليل الغذائي في منطقة الساحل الأطلسي.
ويشير ذلك إلى انتقال الملف تدريجياً من مجرد حملات مصادرة موسمية إلى بناء منظومة أكثر تخصصاً في تقييم المخاطر والتحليل المخبري والرقابة على كامل السلسلة الغذائية.
القانون والإتلاف
وتنص الإجراءات الإدارية الرسمية على أن المواد التي قاربت انتهاء صلاحيتها ينبغي التصريح بها قبل 30 يوماً من انتهاء الصلاحية، وأن المنتج أو الموزع يتحمل تكاليف النقل والتخزين والإتلاف.
كما يفرض قانون حماية المستهلك عقوبات على عرض المنتجات المنتهية الصلاحية في السوق.
لكن التحدي لا يكمن في وجود النصوص فقط؛ بل في قدرة الرقابة على الوصول إلى جميع نقاط البيع، وكفاءة المختبرات، وسرعة الاستجابة للشكاوى، وتتبع المنتجات من المستورد أو المنتج إلى نقطة البيع، وردع إعادة تداول المنتجات أو تغيير تواريخ صلاحيتها.
الإعلام.. عين إضافية على السوق
تكشف التغطيات الصحفية المتكررة أن الإعلام الموريتاني لعب دوراً في إبقاء القضية حاضرة في النقاش العام.
وقد نقلت وكالة الأنباء الموريتانية في أكتوبر 2024 عملية جمع وإتلاف عشرات الأطنان من المواد الاستهلاكية منتهية الصلاحية، مشيرة إلى أن فرق حماية المستهلك جمعت قرابة 1500 طن من المواد الغذائية الفاسدة والمنتهية الصلاحية من أسواق العاصمة خلال أسابيع.
وبينما توفر هذه التقارير صورة عن حجم عمليات الضبط، ينبغي التعامل معها بدقة؛ فكميات المصادرة لا تعني بالضرورة أن الكمية نفسها كانت ستصل إلى المستهلكين، وإنما تمثل ما تمكنت أجهزة الرقابة من اكتشافه وحجزه.
وهذه نقطة مهمة عند تقييم حجم الظاهرة؛ فالبيانات الرسمية تقيس المضبوطات والمخالفات، لكنها لا تقدم قياساً شاملاً لكل المنتجات المنتهية التي قد تكون موجودة في السوق في أي لحظة.
أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
يمكن تلخيص المشكلة في نواكشوط في خمس حلقات مترابطة:
أولاً: التخزين.
وجود مواد غذائية في العراء أو تحت الشمس أو في درجات حرارة غير مناسبة يزيد مخاطر التلف والتلوث.
ثانياً: ضعف التتبع.
كلما طال مسار المنتج بين المستورد والموزع وتاجر الجملة ومحلات التجزئة، زادت الحاجة إلى نظام دقيق لتتبع الصلاحية وظروف التخزين.
ثالثاً: ضعف الوعي.
قد يقبل بعض المستهلكين على المنتجات القريبة من انتهاء الصلاحية أو المنتهية بسبب انخفاض السعر، وهو ما يزيد الطلب على سوق غير آمن.
رابعاً: إعادة التداول.
إعادة بيع المنتجات التي سبق سحبها أو محاولة تغيير بيانات الصلاحية تمثل مستوى أخطر من مجرد الإهمال التجاري، لأنها تعني تعمد إخفاء حقيقة المنتج عن المستهلك، متى ثبت ذلك.
خامساً: محدودية البيانات الصحية.
لا تتوفر في المصادر المنشورة قاعدة وطنية علنية تربط حالات التسمم الغذائي في المستشفيات بنوع المنتج أو مصدره أو تاريخ صلاحيته. وهذه فجوة مهمة في الرصد الصحي.
ماذا يستطيع المستهلك أن يفعل؟
قبل شراء أي منتج غذائي، ينبغي التأكد من:
– تاريخ الصلاحية بوضوح.
– عدم وجود كشط أو طمس أو تعديل في التاريخ.
– سلامة العبوة وعدم انتفاخها أو تسربها.
– عدم وجود تغير واضح في اللون أو الرائحة أو القوام.
– ظروف تخزين المنتج، خصوصاً الألبان واللحوم والمجمدات.
– عدم شراء المنتجات التي تعرضت للشمس أو الحرارة بصورة واضحة.
– عدم قبول تبرير بيع منتج منتهي الصلاحية بحجة أنه «لا يزال صالحاً».
– الاحتفاظ بصورة للمنتج وبيانات المحل عند اكتشاف مخالفة.
– الإبلاغ عن المخالفات للجهات المختصة، ومنها الرقم 1113 التابع للوكالة الموريتانية لسلامة الأغذية.
المشكلة في نواكشوط ليست في وجود بعض العبوات المنتهية على رف هنا أو هناك، وإنما في تكرار اكتشاف كميات كبيرة من الأغذية غير الصالحة، وفي استمرار الحاجة إلى حملات تفتيش ومصادرة وإتلاف متكررة.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الدولة صادرت وأتلفت كميات ضخمة خلال السنوات الأخيرة، بينما تؤكد عمليات 2026 أن الظاهرة لم تختفِ.
وفي المقابل، فإن وجود هيئة متخصصة لسلامة الأغذية، وتوسيع الرقابة، واستقبال شكاوى المواطنين، وتطوير القدرات المخبرية، كلها عناصر يمكن أن تساعد في الانتقال من منطق ضبط المخالفة بعد وصولها إلى السوق إلى منطق الوقاية والتتبع قبل وصول المنتج غير الآمن إلى المستهلك.
ويبقى التحدي الأكبر هو بناء منظومة تجعل اكتشاف المنتج المنتهي أو الفاسد أمراً استثنائياً لا يتكرر بهذه الكميات، وتحويل المستهلك نفسه من متلقٍ سلبي إلى شريك في الرقابة.
ما وراء الرفوف
لكن ما تكشفه الأرقام لا يمثل بالضرورة كل ما يحدث خلف رفوف المحلات وفي زوايا الأسواق.
ومن هنا، ستنتقل «العين ميديا» من الأرقام والبيانات إلى الميدان، في محاولة لرصد واقع المواد الغذائية منتهية الصلاحية في أسواق نواكشوط، والاستماع إلى تجار ومستهلكين، والوقوف على ظروف التخزين والعرض ومسارات وصول هذه المنتجات إلى السوق.
كما ستفتح «العين ميديا» هذا الملف مع مسؤولي الوكالة الموريتانية لسلامة الأغذية (AMSSA)، للحصول على إجابات حول حجم الظاهرة، وآليات الرقابة، وحجم ما تتم مصادرته وإتلافه، والثغرات التي قد تسمح بتسرب المواد غير الصالحة إلى المستهلك.
وفي الجانب الصحي، سيشرح طبيب مختص في الأمراض المعدية والتسممات الغذائية المخاطر الفعلية التي قد تنجم عن تناول أغذية منتهية الصلاحية أو سيئة التخزين، وما إذا كانت بعض المخاطر يمكن اكتشافها بالنظر أو الرائحة، والفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
وسيكون للصورة حضورها في التحقيق، من خلال توثيق ميداني حي لما ترصده عدسة «العين ميديا» في الأسواق، مع الالتزام بالضوابط المهنية والقانونية في التصوير والنشر.
فما يظهر على الرف قد يكون مجرد عبوة وتاريخ صلاحية… لكن ما وراء الرفوف قد يكشف قصة أخرى: قصة غذاء، وصحة، ورقابة، ومسؤولية.




