
العين ميديا – نواكشوط:فتحت السلطات الموريتانية رسمياً باب المنافسة على تموين السوق الوطنية بالمواد البترولية السائلة، بإعلان مناقصة دولية لمدة ستة أشهر تبدأ في 3 ديسمبر 2026، بالتزامن مع نهاية العقد الجاري مع شركة «أداكس إنيرجي»، التي ظلت منذ 2016 المورد الرئيسي للمحروقات في موريتانيا عبر سلسلة من العقود والتجديدات.
وحددت لجنة الإشراف المكلفة باختيار المورد آخر أجل لإيداع العروض يوم 15 أكتوبر 2026 عند الساعة العاشرة صباحاً بالتوقيت العالمي الموحد، على أن يتم في الموعد نفسه فتح الأظرفة المتعلقة بالعروض الفنية بحضور ممثلي الشركات المشاركة الراغبين في ذلك.
وتغطي المناقصة احتياجات السوق من البنزين والغازوال والكيروسين والفيول، فيما نص الإعلان على أن الاستيرادات الموجهة للسوق المحلية خلال فترة العقد ستكون محصورة في العقود الناتجة عن هذه المناقصة، باستثناء المنتجات المخصصة لتموين السفن في أعالي البحار.
شروط مالية وفنية ترفع سقف المنافسة
وضعت لجنة الإشراف شروطاً مرتفعة أمام الشركات الراغبة في دخول السوق الموريتانية، أبرزها أن يكون المتنافس محترفاً في قطاع المحروقات وذا تجربة مثبتة في مجال التموين، إضافة إلى امتلاكه متوسط رقم أعمال سنوي لا يقل عن 4 مليارات دولار خلال السنوات المالية الثلاث الأخيرة.
كما تشترط المناقصة ألا يكون المتنافس خاضعاً لإجراءات قضائية أو حكماً نهائياً من شأنه التأثير على قدراته الفنية أو البيئية أو المالية، وألا يكون موضوع عقوبات مرتبطة بالرشوة أو مخالفات أخلاقيات المهنة، فضلاً عن استيفاء بقية شروط التأهيل الواردة في ملف المناقصة.
وحددت اللجنة ضمانة المشاركة بمليون دولار، بينما تبلغ تكلفة الحصول على ملف المناقصة 400 ألف أوقية موريتانية غير قابلة للاسترداد.
وتتيح المناقصة للمتنافسين تقديم عروضهم وفق خيارين لوجستيين: ITT أو DAP، أو التقدم بعرضين وفق الخيارين معاً. ويتركز الفرق بين الصيغتين أساساً في نقطة انتقال المسؤولية والمخاطر عن الشحنة بين المورد والمشتري.
محاولة لفتح السوق أمام مورد جديد؟
أهمية المناقصة لا تكمن فقط في اختيار مورد جديد، وإنما في كونها تأتي بعد سنوات طويلة من حضور «أداكس» في صدارة سوق المحروقات الموريتانية.
فبحسب وزارة البترول، اختيرت «أداكس» سنة 2016 لتأمين إمدادات البلاد لمدة عامين، ثم جرى تجديد العقد للفترة 2018–2020، قبل أن يستمر التعاقد معها لفترة إضافية. وقال وزير البترول آنذاك إن «أداكس» كانت تؤمّن احتياجات البلاد حتى أبريل 2022، مؤكداً في الوقت نفسه أن العقود تضمنت بنوداً تتيح للجانب الموريتاني المطالبة بتعويضات عن التأخر في التسليم.
وفي 2020، أعلنت مؤسسة التمويل الدولية IFC أنها خصصت 35 مليون دولار ضمن تسهيل ائتماني بقيمة 200 مليون دولار لمساعدة «أداكس» على تأمين واردات المنتجات النفطية إلى موريتانيا لمدة ستة أشهر، في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن جائحة كورونا. وقالت المؤسسة إن «أداكس» كانت قد فازت في أبريل 2020 بمناقصة لتزويد موريتانيا بالمحروقات لمدة ستة أشهر.
وتُظهر وثائق مؤسسة التمويل الدولية أيضاً أن تمويلها لواردات «أداكس» إلى موريتانيا بدأ منذ 2018، قبل أن تتواصل ترتيبات التمويل لاحقاً لتغطية واردات المحروقات إلى موريتانيا ودول أخرى في غرب إفريقيا.
2022.. أزمة التعاقد ومحاولة البحث عن بديل
لم يكن استمرار «ADAX» في السوق خالياً من الأزمات.
ففي نهاية 2021 وبداية 2022 دخل ملف التموين بالمحروقات مرحلة توتر، بعد إطلاق مناقصة جديدة شاركت فيها شركات من بينها BB Energy وMercuria وCoral وAddax، قبل أن تتعقد العملية وتُلغى نتائج إجراءات لاحقة، ما انتهى إلى توقيع اتفاق جديد مع «أداكس» لمدة سبعة أشهر في أبريل 2022، وفق تقارير صحفية متخصصة.
وفي تلك المرحلة، أقر وزير البترول بوجود نزاع مع الشركة، لكنه أعلن التوصل إلى تسوية ودية، موضحاً أن العقود تتضمن آليات للتعويض عن التأخر في تسليم الطلبات.
عقد 2023–2025.. المحروقات مقابل التخزين
دخلت العلاقة بين الدولة و«ADAX» مرحلة جديدة مع العقد الذي ربط تموين السوق بمشروع إنشاء قدرة تخزين استراتيجية.
ففي 2023 أفادت مصادر صحفية بأن «أداكس» فازت بعقد لمدة عامين لتزويد موريتانيا بالمحروقات السائلة، مع ارتباط الاتفاق بإنشاء منشأة لتخزين الوقود بسعة 100 ألف متر مكعب في نواكشوط.
وفي 2025، أكدت شركة «سومير» أن العقد السابق امتد لعامين، بينما امتد عقد إنشاء الخزانات لثلاث سنوات، وأن مشروع الخزانات الجديدة بسعة 100 ألف متر مكعب أطلق في نوفمبر 2024، وكان مقرراً تسليمه في نهاية 2026.
وهذا البعد مهم في فهم المناقصة الحالية، لأن أحد أسباب صعوبة دخول منافسين جدد إلى السوق الموريتانية يرتبط تاريخياً بمحدودية البنية التحتية للتخزين، وهو ما يجعل المورد الذي يمتلك أو يضمن سلسلة إمداد وتخزين آمنة في وضع تنافسي أفضل.
2025.. تجديد جديد قبل المناقصة الحالية
وفي أكتوبر 2025، جرى الإعلان عن تجديد عقد «أداكس» لمدة 12 شهراً، مع تقديم السلطات مبررات اقتصادية للعقد الجديد.
وبحسب المدير الإداري والمالي لشركة «سومير»، محمد عبد الله ولد الشيخ أحمد، فقد تضمن الاتفاق خفضاً قدره 14.09 دولاراً للمتر المكعب على مادتي الغازوال والبنزين، وهو ما قُدّر بأنه يمكن أن يوفر للخزينة نحو 6 مليارات أوقية سنوياً ابتداء من ديسمبر 2025.
كما تضمن العقد، وفق التصريحات نفسها، تحميل «أداكس» تكاليف بعض الفحوص الفنية والتقييم المستقل، وإدراج بند للتكوين والتأهيل الفني للكوادر الوطنية، إضافة إلى دفع 16.3 دولاراً عن كل متر مكعب لصالح الخزينة من أجل صيانة الرصيف النفطي.
وقال ولد الشيخ أحمد إن العقد الجديد «تم وفق الشفافية التامة، وبعد مفاوضات جادة هدفت إلى خدمة المصلحة الوطنية وتحسين مردودية قطاع المحروقات».
لكن تجديد العقد في 2025 أثار في المقابل انتقادات وتساؤلات من بعض المتابعين ومنافسين محتملين بشأن طول فترة بقاء «أداكس» في السوق وطبيعة إجراءات التجديد.
تقرير محكمة الحسابات.. فصل آخر من القصة
ويكتسب الملف بعداً إضافياً بالنظر إلى ما ورد في تقرير محكمة الحسابات المتعلق بتسيير الشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» خلال الفترة محل الرقابة.
فقد أورد التقرير الرسمي أن هناك فروقاً في فوترة المحروقات بلغت 11,557,672 دولاراً دفعتها «صوملك» لصالح «أداكس» خلال الفترة من 2017 إلى 2020، بعد ملاحظات تتعلق بطريقة احتساب الأسعار مقارنة بما نص عليه عقد التموين.
ونشرت تقارير صحفية استناداً إلى تقرير المحكمة أن الملاحظات تضمنت وجود «فرق جوهري بين أسعار التنازل وأسعار الفوترة»، وأن إجراءات المطالبة بالفروق تأخرت بصورة غير عادية.
وهنا تبرز نقطة يجب التعامل معها بدقة صحفية: المبلغ المذكور ليس حكماً قضائياً بإدانة شركة أداكس بالفساد، وإنما رقم ورد في ملاحظات وتدقيقات محكمة الحسابات بشأن فروق فوترة ومدى مطابقة التطبيق للعقد. كما أن وجود الملاحظة لا يغني عن عرض ردود الأطراف المعنية إن توفرت.
بين الاستمرارية والمنافسة.. ماذا تعني المناقصة الجديدة؟
المناقصة الحالية تبدو، من الناحية السياسية والاقتصادية، محاولة لإعادة وضع ملف المحروقات ضمن آلية تنافسية واضحة، ولو لفترة قصيرة نسبياً تبلغ ستة أشهر.
لكن شروطها في الوقت نفسه شديدة الارتفاع. فاشتراط متوسط رقم أعمال لا يقل عن 4 مليارات دولار سنوياً خلال ثلاث سنوات، إلى جانب الخبرة والقدرة اللوجستية والضمان المالي، يعني عملياً أن دائرة الشركات القادرة على المنافسة ستكون محدودة جداً.
وهنا تكمن المفارقة: المناقصة تفتح الباب نظرياً أمام المنافسة، لكنها تضع في الوقت نفسه عتبة دخول مرتفعة للغاية.
والسؤال الأهم ليس فقط: من سيفوز؟
بل: هل ستتمكن المناقصة من جذب أكثر من لاعب دولي قادر فعلاً على تمويل وتأمين شحنات السوق الموريتانية، أم ستعيد الشروط والبنية اللوجستية المحدودة إنتاج النتيجة نفسها؟
وتشير تجربة السنوات الماضية إلى أن «أداكس» لم تكن موجودة في السوق نتيجة عقد واحد ممتد لعشر سنوات، بل نتيجة سلسلة من العقود والتجديدات والإجراءات التنافسية والتسويات المرحلية. وهذا التفصيل مهم في أي نقاش حول ما إذا كان الأمر «احتكاراً» بالمعنى القانوني أم هيمنة طويلة الأمد لمورد واحد على سوق استراتيجي.
وفي المقابل، فإن استمرار مورد واحد في صدارة السوق لسنوات طويلة يطرح سؤالاً مشروعاً حول تنويع مصادر الإمداد، وشفافية التسعير، وكلفة التمويل، وقدرة الدولة على بناء مخزون استراتيجي مستقل، خصوصاً أن موريتانيا تعتمد بصورة كبيرة على واردات المنتجات النفطية.
الاختبار الحقيقي يبدأ في 15 أكتوبر
بإعلانها المناقصة الجديدة، وضعت لجنة الإشراف موعداً واضحاً لاختبار مدى جدية المنافسة: 15 أكتوبر 2026.
وحتى ذلك التاريخ، يمكن للشركات الراغبة في المشاركة طلب توضيحات أو اقتراح تعديلات على ملف المناقصة، بما في ذلك معايير التقييم، على أن تنشر اللجنة أي ملحق محتمل قبل عشرة أيام على الأقل من الموعد النهائي لتقديم العروض.
وبذلك، لا يمثل إعلان المناقصة مجرد إجراء إداري لاستبدال مورد بآخر، بل يفتح فصلاً جديداً في ملف ظل لسنوات من أكثر ملفات الاقتصاد الموريتاني حساسية، حيث تتقاطع أمن الطاقة، والأسعار، والمالية العمومية، والبنية التحتية للتخزين، والمنافسة الدولية.
والنتيجة التي ستسفر عنها مناقصة أكتوبر ستعطي مؤشراً مهماً على ما إذا كانت موريتانيا تتجه فعلاً إلى تنويع قاعدة موردي المحروقات، أم أن أداكس ستنجح مرة أخرى في الاحتفاظ بموقعها في سوق ظلت حاضرة فيه منذ 2016.

