تقارير

ٱدرار على صفيح …زيارة رئاسية مرتقبة تتجاوز البروتوكول

العين ميديا : تتجه الأنظار إلى ولاية آدرار مع اقتراب الزيارة المرتقبة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في محطة تبدو أبعد من مجرد زيارة ميدانية للاطلاع على أحوال السكان وتدشين المشاريع. فالمشهد الذي يسبق الزيارة يجمع بين تعبئة سياسية متصاعدة لحزب الإنصاف، ونقاش غير مسبوق حول مأمورية رئاسية ثالثة، واحتقان سياسي يتغذى من ملفات توقيف معارضين وقضية الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.

وتتحدث مصادر إعلامية محلية عن زيارة مرتقبة إلى آدرار وإنشيري خلال شهر سبتمبر، فيما تداولت مصادر أخرى برنامجاً يبدأ يوم 20 سبتمبر ويستمر أربعة أيام ويشمل عدداً من مقاطعات الولايتين، من دون أن يكون هذا البرنامج قد ثُبت رسمياً من الرئاسة حتى الآن.

لكن أهمية الزيارة لا تكمن في جدولها البروتوكولي فقط، بل في توقيتها السياسي. فالحزب الحاكم يتحرك على امتداد البلاد عبر بعثات واجتماعات ومهرجانات، بينما تحولت عبارة «الاستمرارية» تدريجياً إلى عنوان سياسي يقرأه كثيرون باعتباره تمهيداً لفكرة استمرار الرئيس بعد انتهاء مأموريته الثانية.

آدرار.. محطة في مسار أوسع

منذ أشهر، يعمل حزب الإنصاف على إعادة تنشيط هياكله الداخلية وتكثيف حضوره في الولايات. وفي يناير الماضي، كلف الحزب بعثات بولايات الداخل لشرح مخرجات مؤتمره وإيصال رسائله السياسية، وكانت آدرار وإنشيري ضمن دائرة عمل بعثة برئاسة هاوا جالو، فيما أوكلت داخلة نواذيبو وتيرس الزمور إلى بعثة أخرى برئاسة محمد يحيى ولد حرمه.

وفي الأسابيع الأخيرة انتقلت التعبئة إلى مستوى أكثر وضوحاً. ففي آدرار، كثف منسق حزب الإنصاف سيدي محمد ولد الغابر لقاءاته مع الأطر والمنتخبين والفاعلين، فيما عقد في 4 سبتمبر اجتماعاً تحضيرياً مع أطر الحزب وفاعليه وممثلي مقاطعات أطار في نواكشوط استعداداً للزيارة المرتقبة.

ولم تعد الرسالة السياسية خفية تماماً. ففي 24 أغسطس أعلن رئيس جهة آدرار، باسم منتخبي الولاية، دعمهم لمأمورية ثالثة للرئيس غزواني، مؤكداً استعدادهم للانخراط في أي توجه بهذا الخصوص ضمن الأطر القانونية والدستورية.

وهنا تتحول زيارة آدرار من مناسبة لاستقبال الرئيس إلى اختبار سياسي: هل ستكون الحشود تعبيراً عن دعم برنامج تنموي، أم عن بداية عملية منظمة للضغط من أجل تعديل الدستور وفتح الطريق أمام مأمورية ثالثة؟

من آدرار إلى تيرس زمور.. التعبئة شمالاً

لا تقف الحركة السياسية عند حدود آدرار. ففي تيرس الزمور، كثف حزب الإنصاف نشاطه الميداني خلال الأيام الأخيرة، حيث دعا منسق الحزب بالولاية با عبدولاي مامادو الهيئات الحزبية والمنتخبين والأطر والفاعلين إلى تكثيف العمل الميداني وتعزيز الانضباط الحزبي ومواصلة النهج الذي يقوده الرئيس غزواني.

وفي بير أم اكرين وأزويرات، رافقت جولات المنسق أنشطة واستقبالات جماهيرية، فيما برزت دعوات إلى مواصلة نهج الرئيس واستكمال المشاريع والبرامج التنموية.

وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة إذا وضعت في سياق أوسع يشمل ولايات الشمال الثلاث: آدرار، وإنشيري، وتيرس الزمور، فضلاً عن داخلة نواذيبو. فالحزب لا يتحرك فقط لتنظيم استقبال رئاسي، وإنما يبني حضوراً ميدانياً في منطقة ذات ثقل اقتصادي وسياسي واجتماعي.

واللافت أن حديث «الاستمرارية» لم يعد مقتصراً على خطاب سياسي مركزي؛ فقد ظهرت دعوات علنية للمأمورية الثالثة في عدد من الولايات، كان من بينها آدرار، ثم الترارزة وغيرها. وقد سجلت تقارير صحفية انتقال هذا الخطاب من مبادرات فردية إلى مطالب تصدر عن منتخبين وقيادات محلية.

لكن.. ماذا عن الشارع؟

بينما تتحضر قواعد حزب الإنصاف للحشد والاستقبال، تظهر في الجهة المقابلة أصوات سياسية وشعبية ترفض فكرة المأمورية الثالثة وتعتبرها تجاوزاً للدستور.

وفي آدرار تحديداً، أعلنت اتحادية حزب «تواصل» رفضها للدعوات المطالبة بمأمورية ثالثة، وربطت موقفها بما وصفته بتدهور الخدمات الأساسية في الولاية، مستحضرة تهالك طريق نواكشوط ـ أطار، وتردي الطرق داخل العاصمة أطار، ومشكلات المياه والكهرباء، واكتظاظ الفصول، وضعف التغطية الصحية وارتفاع الأسعار.

وبذلك يصبح السؤال السياسي أكثر إلحاحاً: هل تستطيع الحشود أن تعكس فعلاً المزاج العام لسكان الولاية، أم أنها تعكس بالدرجة الأولى قوة التنظيم الحزبي وقدرته على التعبئة؟

فالاستقبال الجماهيري لا يقيس وحده رضا السكان، كما أن الوقفة الاحتجاجية لا تمثل بالضرورة كل السكان. وبين الاثنين توجد كتلة واسعة من المواطنين لا تبحث عن المأمورية الثالثة ولا عن الصراع السياسي، بقدر ما تبحث عن الماء والطريق والطبيب والمدرسة وفرص العمل.

آدرار.. بين الخطاب التنموي والواقع

تقدم السلطة حصيلة من البرامج والمشاريع بوصفها جزءاً من مسار التنمية في الولاية. وفي يونيو الماضي أطلقت «التآزر» برنامجاً تنموياً خاصاً بآدرار بغلاف يتجاوز 250 مليون أوقية قديمة، شمل مشاريع في البنى التحتية والخدمات الأساسية والتمكين الاقتصادي ودعم البلديات. كما استفادت الولاية من تدخلات أوسع لـ«التآزر» قالت المندوبية إن قيمتها تجاوزت 7.68 مليارات أوقية قديمة في مجالات التعليم والصحة والمياه والأمن الغذائي والحماية الاجتماعية.

كما أدرجت الحكومة آدرار ضمن البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الضرورية للتنمية المحلية، وهو برنامج يشمل التعليم والصحة والمياه والكهرباء وفك العزلة والزراعة والتنمية الحيوانية وتمكين الشباب، بغلاف مالي إجمالي يتجاوز 260 مليار أوقية قديمة على مستوى الولايات المعنية.

لكن الأرقام والبرامج الرسمية تصطدم بأسئلة ميدانية لا يمكن للحشد السياسي أن يحجبها.

فماذا عن الطريق الرابط بين أطار ونواكشوط؟ وماذا عن شبكة الطرق داخل المدن؟ وماذا عن انقطاعات المياه والكهرباء؟ وماذا عن المؤسسات الصحية وقدرتها على تقديم خدمات تخصصية؟ وماذا عن المدارس والفصول والاكتظاظ؟ وماذا عن الشباب الذين لا يجدون في المشاريع الموسمية أو المبادرات المحدودة بديلاً عن اقتصاد محلي قادر على خلق وظائف مستقرة؟

هذه ليست أسئلة خصوم سياسيين فقط؛ بعضها ورد في بيانات معارضة، وبعضها تؤكده الحاجة المستمرة إلى برامج حكومية خاصة بالولاية.

الصحة والتعليم.. الاختبار الأصعب

لا تكفي أرقام المشاريع وحدها للحكم على التنمية. فالقطاع الصحي، على سبيل المثال، يظل أحد أكثر الملفات حساسية في الولايات الداخلية، حيث يضطر المرضى في الحالات المعقدة إلى التوجه نحو نواكشوط.

والتعليم بدوره لا يقاس بعدد المدارس المشيدة فقط، وإنما بجودة البنية المدرسية، واستقرار المدرسين، وعدد التلاميذ في الأقسام، ونتائج التعليم، وقدرة الولاية على الاحتفاظ بكفاءاتها.

وتكشف بيانات قديمة لقطاع التعليم في آدرار عن تحديات هيكلية ظلت مطروحة، من بينها ضعف البنية التحتية ونقص التجهيزات ووسائل النقل الخاصة بالمتابعة التربوية.

لذلك سيكون أحد الاختبارات الحقيقية للزيارة هو: هل سيصل الرئيس إلى المواطنين عبر تقارير الإدارات والفاعلين السياسيين، أم سيصل إلى المشاكل نفسها؟

ولد المعيوف.. ملف آخر على الطريق

الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف عضو المكتب التنفيذي لحزب موريتانيا إلى الامام

في الوقت الذي يستعد فيه الإنصاف للحشد، يعيش المشهد السياسي الموريتاني على وقع قضية اللواء المتقاعد لبات ولد فياه ولد المعيوف، عضو المكتب التنفيذي لحزب «موريتانيا إلى الأمام».

فقد أوقف ولد المعيوف أواخر أغسطس بعد استدعائه من جهة مختصة بالجرائم السيبرانية، وسط تضارب في الروايات بشأن خلفية التوقيف. وقال رئيس حزبه إن الحزب لم يكن قد أُبلغ بسبب التوقيف أو التهم الموجهة إليه، وإن محامي الدفاع لم يتمكنوا من لقائه بصورة طبيعية.

وتحول الملف إلى قضية سياسية وحقوقية، بعدما نظم أنصار الحزب وقفات في عدد من المدن، من بينها ازويرات، حيث نظم الحزب في الأول من سبتمبر وقفة أمام مبنى ولاية تيرس الزمور للمطالبة بإطلاق سراحه وصون حرية التعبير.

كما طالب حزب «تواصل» بالإفراج عنه ووقف الإجراءات المرتبطة بقضيته، بينما اعتبر قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية أن استمرار توقيفه قد يؤثر على مناخ الحوار السياسي المرتقب.

وبذلك تظهر صورة سياسية متناقضة في الشمال: حشود مؤيدة للرئيس وحزبه من جهة، ووقفات احتجاجية تطالب بالإفراج عن معارض سياسي من جهة أخرى.

 

ولد عبد العزيز.. الملف الذي لا يختفي

محمد ولد عبد العزيز -أرشيق

إلى جانب قضية ولد المعيوف، يبقى ملف الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز حاضراً في النقاش السياسي، خصوصاً في ظل مطالب متكررة بالإفراج عنه أو تمكينه من العلاج خارج البلاد.

وفي يونيو 2026 قال محامي ولد عبد العزيز إن إطلاق سراح الرئيس السابق وتمكينه من العلاج ورد الاعتبار له كرئيس سابق يمكن أن يشكل خطوة نحو التهدئة وفتح حوار وطني جامع.

وكانت هيئة دفاعه قد طالبت في وقت سابق بالسماح له بالسفر إلى الخارج للعلاج، مستندة إلى تقارير طبية قالت إنها تشير إلى مشكلات صحية تستدعي تدخلاً طبياً متخصصاً.

أما ما يثار حالياً حول وصول وضعه الصحي إلى «حالة حرجة»، فينبغي التعامل معه بحذر؛ فالمصادر المتاحة التي أمكن التحقق منها لا توفر حتى الآن تأكيداً رسمياً مستقلاً يثبت هذه الصيغة تحديداً. المؤكد هو استمرار المطالب المتعلقة بوضعه الصحي والعلاج خارج البلاد.

وهذا الملف، شأنه شأن ملف ولد المعيوف، يدخل في صميم سؤال أكبر: إلى أي حد يمكن أن تتسع مساحة الاختلاف السياسي في المرحلة التي تسبق الحوار والاستحقاقات المقبلة؟

زيارة بين التنمية والدستور

المفارقة الكبرى أن الرئيس الذي سيصل إلى آدرار محملاً بخطاب التنمية، سيجد أمامه ولاية تختصر كثيراً من التحديات الموريتانية: موارد طبيعية وسياحية وتراثية كبيرة، لكنها في الوقت ذاته تعاني من مشاكل البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وفي الجانب الآخر، يأتي الحراك السياسي حول الزيارة في لحظة بدأ فيها الحديث عن المأمورية الثالثة يخرج من نطاق التكهنات إلى المطالب العلنية.

الرئيس نفسه سبق أن وصف الحديث عن أجندات 2029 بأنه سابق لأوانه ومشوش على عمل النظام، بينما واصل أنصار الحزب والمنتخبون إطلاق دعوات لاستمرار النهج السياسي الحالي. وقد رصدت مصادر إعلامية خلال الأسابيع الماضية انتقال هذه الدعوات بين ولايات متعددة.

وهنا يصبح السؤال المركزي لزيارة آدرار أكبر من سؤال الاستقبال:

هل نحن أمام زيارة رئاسية لتنمية ولاية، أم محطة سياسية جديدة لاختبار الشارع تجاه تعديل الدستور والمأمورية الثالثة؟

الإجابة لن تكون في عدد السيارات التي ستصل إلى أطار، ولا في عدد اللافتات التي سترفع على الطرقات، وإنما في ما سيقوله الرئيس عن الدستور، وما سيقوله عن الخدمات، وما سيقرره بشأن الملفات الاجتماعية والاقتصادية، وما إذا كانت الزيارة ستنتهي بوعود جديدة أم بقرارات قابلة للقياس.

الشمال أمام اختبار سياسي

آدرار ليست ولاية هامشية في الحسابات السياسية. فهي إلى جانب موقعها الجغرافي والثقافي والسياحي، جزء من حزام شمالي يضم إنشيري وداخلت نواذيبو وتيرس الزمور، حيث الثقل المعدني والصناعي والموانئ والثروة السياحية والتراثية.

ولهذا فإن نجاح الزيارة سياسياً لا يعني بالضرورة نجاحها شعبياً.

قد ينجح حزب الإنصاف في تنظيم استقبال ضخم، لكنه سيظل مطالباً بالإجابة عن سؤال التنمية. وقد تنجح المعارضة في تنظيم وقفات احتجاجية، لكنها ستظل مطالبة بتقديم بدائل سياسية واجتماعية مقنعة.

وبين الطرفين يقف المواطن الآدراري، الذي لا تعنيه كثيراً معركة الشعارات إذا بقي الطريق متدهوراً، والماء منقطعاً، والكهرباء غير مستقرة، والخدمات الصحية محدودة، والتعليم دون مستوى طموحات أبنائه.

لذلك قد تكون زيارة غزواني إلى آدرار أهم من مجرد زيارة رئاسية: إنها اختبار مزدوج؛ اختبار لقدرة السلطة على إقناع المواطنين بأن التنمية التي تتحدث عنها وصلت فعلاً إلى حياتهم اليومية، واختبار لقدرة حزب الإنصاف على تحويل الحشد السياسي إلى قاعدة شعبية حقيقية، واختبار للمشهد السياسي كله بشأن الاتجاه الذي تسير إليه موريتانيا قبل 2029.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي يفرض نفسه فوق كل الحشود والخطب:

إذا كانت الولاية قد حصلت فعلاً على كل هذه المشاريع والبرامج، فلماذا ما تزال قائمة طويلة من مشاكل الصحة والتعليم والماء والكهرباء والطرق تنتظر الحل؟ وإذا كان المطلوب تمديد المسار الرئاسي، فهل الأولوية الآن لتغيير الدستور أم لإصلاح ما لم يُنجز بعد؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى