تقارير

مضيق البنزين

نواكشوط – العين ميديا

بعد منتصف الليل، كان طابور طويل من السيارات يمتد على الشارع المؤدي إلى إحدى محطات الوقود في تفرغ زينة. محركات مطفأة، وسائقون يترجلون بين حين وآخر لاستطلاع حركة المضخات، وآخرون يتابعون هواتفهم بحثًا عن خبر قد يقودهم إلى محطة تتوفر فيها مادة البنزين.

في ذلك الطابور، لم يكن السؤال كم سيستغرق الانتظار، بل ما إذا كان الانتظار سينتهي أصلًا بالحصول على الوقود.

«هل سيصل دوري قبل أن ينفد البنزين؟» سؤال يتردد بين السائقين، في مشهد بات مألوفًا في العاصمة خلال الأيام الأخيرة.

فالعثور على محطة وقود لم يعد المشكلة، لكن العثور على البنزين فيها أصبح مهمة أخرى.

طوابير بلا ضمان

محمد، أحد المنتظرين، أمضى أكثر من ساعة داخل الطابور، ولم تتقدم سيارته سوى أمتار قليلة.

يقول إن الانتظار بحد ذاته ليس أكثر ما يزعجه، وإنما غياب اليقين بشأن نهايته.

ويضيف: «قد نبقى هنا ساعتين أو ثلاثًا، وفي النهاية يخبروننا أن البنزين نفد».

ثم ينظر إلى السيارات المتقدمة أمامه ويقول: «أصبح الحصول على قطرة بنزين أشبه بالحلم».

ولا يقتصر المشهد على السيارات الخاصة. فعلى مقربة من المحطة، اصطفت عربات ثلاثية العجلات، يعتمد أصحابها على تشغيلها يوميًا لتأمين دخلهم من نقل الركاب وتوصيل الطلبات.

إبراهيم، أحد هؤلاء السائقين، يقول إنه تلقى اتصالًا من صديق أبلغه بأن المحطة بدأت بيع البنزين، فتوجه إليها مباشرة، لكنه لا يعرف ما إذا كان سيتمكن من الوصول إلى المضخة قبل نفاد الكمية.

كان يفترض أن يبدأ عمله منذ الصباح، قبل أن ينتقل بعد الظهر إلى توصيل الطلبات، لكن ساعات العمل تحولت إلى ساعات انتظار.

ويقول: «هذه مصدر رزقي الوحيد.. كل ساعة أقضيها هنا تعني خسارة مباشرة».

البحث عن الوقود بدل العمل

بالنسبة لسائقي سيارات الأجرة والعاملين في خدمات التوصيل، لا تتوقف كلفة الأزمة عند ساعات الانتظار.

فالبحث عن البنزين يعني وقتًا ضائعًا، ورحلات إضافية بين المحطات، وأحيانًا يوم عمل كاملًا دون دخل.

وفي أحد الطوابير، أطفأ رجل محرك سيارته، وأخرج هاتفه وطلب سيارة أجرة عبر أحد تطبيقات النقل.

قال بابتسامة تحمل شيئًا من المرارة: «لم يعد بمقدوري الاستمرار في الانتظار».

ثم أضاف: «سأذهب بسيارة أجرة وأترك سيارتي هنا. عندما يعود البنزين سأرجع إليها».

ومع طول الطوابير، أصبحت الأخبار المتداولة بين السائقين عاملًا حاسمًا في تحديد وجهتهم التالية.

خبر عن محطة بدأت البيع يدفع بعضهم إلى مغادرة الطابور، بينما يتمسك آخرون بمواقعهم خشية الوصول إلى المحطة الجديدة بعد نفاد مخزونها.

وهكذا تحولت رحلة البحث عن البنزين إلى تنقل مستمر بين المحطات، دون ضمان بأن الوصول إلى محطة جديدة يعني بالضرورة العثور على الوقود.

الرواية الرسمية

في مقابل هذه المشاهد، تؤكد وزارة الطاقة والنفط أن السوق لا تعاني نقصًا في البنزين.

وقالت الوزارة، في بيان أصدرته نهاية الأسبوع الماضي، إن البنزين «متوفر بشكل اعتيادي في كافة المحطات بالعاصمة نواكشوط»، وإن الحديث عن أزمة أو نقص في المادة «لا صحة له».

وأكدت أن وضعية تموين السوق «طبيعية ومستقرة تمامًا»، مشيرة إلى رسو سفينة محملة بالبنزين في ميناء نواكشوط، واكتمال عمليات تفريغ حمولتها وتوزيعها على محطات الوقود.

كما أعلنت الوزارة أن سفينة إضافية محملة بالبنزين كان مقررًا أن تصل الثلاثاء، بهدف تعزيز المخزون وضمان استمرارية الإمدادات، داعية المواطنين إلى الاعتماد على المصادر الرسمية وعدم الانسياق وراء ما وصفته بالشائعات.

غير أن استمرار الطوابير في عدد من محطات العاصمة، بعد وصول الشحنة المعلن عنها، أبقى الفارق قائمًا بين الرواية الرسمية وما يواجهه المستهلكون على الأرض.

شحنة غير مطابقة

وتربط وزارة الطاقة بداية الاضطراب الحالي بشحنة بنزين وصلت إلى موريتانيا مطلع يوليو، لكنها لم تدخل السوق بعد أن أظهرت الفحوص الفنية عدم مطابقتها للمعايير المتفق عليها تعاقديًا.

وقال مدير التوزيع والتموين بمواد المحروقات في الوزارة، الحضرامي محمد امبارك، إن جميع المنتجات البترولية المستوردة تخضع لفحوص تجريها شركة «سومير» قبل استلامها.

وأوضح أن نتائج فحص الشحنة التي وصلت في الأول من يوليو أظهرت أنها «غير مطابقة للمعايير المنصوص عليها في التعاقد».

وبحسب المسؤول، فإن عمليات نقل الوقود من نواذيبو إلى نواكشوط مستمرة بشكل يومي، مؤكدًا توفر المادة.

وأرجع الطوابير في بعض المحطات إلى زيادة إقبال المواطنين على شراء كميات تتجاوز احتياجاتهم، وملء خزانات سياراتهم، معتبرًا أن ذلك يؤثر على حصول بقية المستهلكين على البنزين.

أزمة لها سياق أوسع

ولا يأتي اضطراب سوق الوقود في موريتانيا بمعزل عن التطورات التي شهدتها أسواق الطاقة خلال الأشهر الماضية.

فقد تسببت التوترات الجيوسياسية في المنطقة منذ أواخر فبراير، وما رافقها من اضطرابات في حركة شحنات الطاقة القادمة من الخليج، في ضغوط على أسواق الوقود في عدد من الدول المستوردة.

وفي موريتانيا، انعكست تلك التطورات على أسعار المحروقات، حيث رفعت الحكومة الأسعار عدة مرات، مبررة ذلك بارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية وزيادة تكاليف الاستيراد والنقل.

لكن السائق الذي يقف لساعات أمام محطة وقود لا يتعامل مع الأزمة من زاوية أسعار النفط العالمية أو حركة الملاحة الدولية.

بالنسبة إليه، القضية أكثر مباشرة: خزان سيارته يحتاج إلى الوقود، وعمله مرتبط به، والوقت الذي يمضيه في الطابور يعني وقتًا لا يعمل فيه.

عندما يصبح الانتظار أزمة

مع اقتراب الساعة من الحادية عشرة وسبع دقائق صباحًا، لم يكن الطابور قد تحرك سوى بضعة أمتار.

تتجه الأنظار إلى المضخات، وتنتقل الأخبار من سيارة إلى أخرى، فيما يراقب كل سائق موقعه في الصف، محاولًا تقدير فرصه في الوصول إلى الوقود.

لا أحد يعرف بدقة حجم الكمية المتبقية في خزانات المحطة، ولا أحد يستطيع أن يضمن للسيارة الأخيرة في الطابور أنها ستغادر وهي تحمل ما جاءت من أجله.

في نواكشوط، تبدو المفارقة واضحة: المشكلة لم تعد في الوصول إلى محطة الوقود، بل في الوصول إلى البنزين داخلها.

وبين الرواية الرسمية التي تؤكد استقرار التموين، والمشهد اليومي الذي تصنعه الطوابير، يبقى السائقون عالقين في المنتصف؛ ينتظرون، ويتنقلون، ويحسبون الوقت والخسارة، فيما يتحول الطابور نفسه إلى جزء من أزمة الوقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى