أحمدو ولد أبنو : المختار ولد اچاي …من تحصيل المال إلى صناعة الثروة

بعض المسارات المهنية تختصر في تفاصيلها قصة صاحبها .. وبعصها يمكن أن تقرأ باعتبارها انعكاسا لمسار الدولة نفسها..
وهنا اعتقد ان مسار المختار ولد أجاي في الإدارة والاقتصاد ينتمي، إلى حد كبير، إلى النوع الثاني، حيث بدأت حياته الاقتصادية من إدارة الضرائب، أي من السؤال الأول في مالية الدولة:
كيف تَحْصلُ الدولة على المال؟
لينتقل بعد ذلك إلى وزارة الاقتصاد والماليه، فتصبح الأسئله أكثر تعقيدا:
كيف تدير الدولة المال؟ كيف تجمع مواردها؟ كيف تضبط نفقاتها؟ كيف تمول مشاريعها؟ كيف تحافظ على توازناتها المالية؟ وكيف توسع قدرتها على الاستثمار؟ ..
واليوم، وهو على رأس الحكومة، يقف أمام السؤال ربما الأهم والأصعب في مسيرته:
كيف نجعل الاقتصاد نفسه ينتج المال والثروة، بحيث لا تبقى الدولة هي المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي؟
وهنا يجد نفسه امام التحدي الحقيقي..
فالدولة تستطيع أن تزيد الإيرادات الضريبية، وتحسن التحصيل .. وتضبط العجز .. وترفع كفاءة الإنفاق .. وهذا كله ضروري ومهم .. لكن قوة المالية العامة، لا تعني بالضرورة قوة الاقتصاد، فقد تكون الدولة قادرة على جمع المال وإنفاقه بكفاءة .. بينما يظل القطاع الخاص ضعيفا، والاستثمار الخاص محدودا، والنشاط الاقتصادي مرتبطا بدرجة كبيرة بالمشاريع الحكومية والإنفاق العمومي، والفارق بين الحالتين كبير، فالدولة القوية ماليا تستطيع أن تنفق أكثر، أما الاقتصاد القوي فيستطيع أن ينتج أكثر ..
وهذا هو التحول الذي نحتاجه في موريتانيا.
فلم يعد التحدي فقط أن نسأل: كم جمعت الدولة من الضرائب؟ وكم أنفقت؟ وكم بلغ العجز؟
بل اصبح التحدي هو:
كم شركة جديدة نشأت خارج الدولة؟
كم استثمارا خاصا جديدا دخل السوق؟
كم وظيفة خلقها القطاع الخاص؟
كم مُنتجا موريتانيا دخل الأسواق داخليا وخارجيا؟
وكم من نشاط اقتصادي أصبح قادرا على الاستمرار دون أن يكون مرتبطا بشكل مباشر بالإنفاق الحكومي؟
هذه هي المؤشرات التي ستحدد، في النهاية، ما إذا كانت السياسة الاقتصادية قد نجحت في تغيير بنية الاقتصاد أم اكتفت بتحسين إدارة الوضع القائم .. أي هل انتقلنا من الدولة التي تنفق، إلى الاقتصاد الذي ينتج..
موريتانيا فعلا دولة تحتاج الى الاستثمار العمومي، ولا يمكن مطالبتها بالانسحاب من الاقتصاد.. فهي تحتاج إلى الطرق، والموانئ، والطاقة، والمياه، والتعليم، والصحة، والبنية الرقمية، وغيرها.. لكن المشكل ليس في إنفاق الدولة وانما المشكل هو حين يصبح الإنفاق العام هو المحرك الدائم للنشاط الاقتصادي .. أما الاستثمار الحكومي الذكي، فينبغي أن تكون مهمته خلق الظروف التي تسمح للقطاع الخاص بأن يستثمر وينتج ويشغل ويصدر..
بمعنى آخر:
المطلوب ليس دولة تنفق أقل، بل المطلوب هو اقتصاد يحتاج إلى الدولة بشكل أقل لكي ينمو..
وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية من مسار الوزير الأول المختار ولد أجاي؛ وقد انتقل اليوم الى موقع يسمح له بطرح سؤال ربما هو الأهم في مساره:
“كيف نخلق اقتصادا ينتج المال والثروة خارج خزينة الدولة؟”
ونجاحه في هذه المهمه، يعني انتقاله من إدارة المالية العامة إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والاقتصاد ..
أما إذا ظل النمو يعتمد أساسا على الإنفاق العمومي، والمشاريع الحكومية، والموارد الاستخراجية، فإن الإنجاز سيبقى في إطار تحسين إدارة الدولة لمالها، لا في إطار تغيير بنية الاقتصاد..
وهذا هو الامتحان الحقيقي أمامه
فقد يكون من السهل نسبيا قياس نجاح وزير اقتصاد ومالية من خلال تسيير العجز وادارته بحكمه، زيادة الإيرادات، ترشيد النفقات، إدارة الدين العام ..
أما قياس نجاح رئيس حكومة، اقتصاديا فهو أكثر صعوبة، لأن السؤال لم يعد:
هل خزينة الدولة أفضل حاليا؟
وإنما السؤال هو:
هل الاقتصاد أصبح أكثر قدرة على الوقوف على قدميه؟
هل أصبح لدينا قطاع خاص أقوى؟
هل أصبح الاستثمار الخاص أكثر جرأة؟
هل أصبح المستثمر يرى في موريتانيا فرصة اقتصادية، وليس فقط سوقا تعتمد على الطلب الحكومي؟
هل أصبحت المشاريع العمومية تخلق من حولها منظومة من الشركات والإنتاج والخدمات؟
وهل نستطيع، في النهاية، أن نرى اقتصادا يستمر في النمو حتى عندما تتراجع وتيرة الإنفاق الحكومي؟
فإذا كانت الإجابة بنعم، فسيكون ذلك إنجازا يتجاوز حدود المالية العامة، ويحسب له وبهذا يكون قد انتقل فعليا من إدارة موارد الدولة إلى صناعة شروط الثروة الوطنية..
أما إذا كانت الإجابة بلا، فسيظل نجاحه، مهما كان مهما، نجاحًا في إدارة الدولة ماليا، أكثر منه نجاحا في تحرير الاقتصاد من الاعتماد على الدولة.
في الأخير اعتقد ان هذه التساؤلات هي ما يستحق أن يُطرح اليوم، لا بهدف مدح الرجل ولا بهدف انتقاده، وإنما بهدف تقييم مشروع اقتصادي كامل؛ بمعنى هل نريد دولة تجمع المال وتنفقه بكفاءة، أم نريد اقتصادا ينتج الثروة بحيث تصبح الدولة أقل حاجة إلى أن تكون هي المنتج والمشغل والمستثمر الأكبر؟
ربما يكون مستقبل التجربة الاقتصادية للمختار ولد أجاي بشكل خاص، ومستقبل الاقتصاد الموريتاني بشكل عام؛ مرتبطا بالإجابة على هذه التساؤلات.
بقلم: أحمدو ولد أبنو