ازويرات.. مدينة الحديد والذهب بين تناقضات التنمية والسياسة

العين ميديا –أزويرت: في أقصى الشمال الموريتاني، تبدو مدينة ازويرات كأنها تعيش على مفارقة جغرافية واقتصادية وسياسية واحدة: مدينة شُيّدت حول المناجم، وتدور حياتها اليومية حول الحديد والذهب، لكنها لا تزال تواجه أسئلة أساسية تتعلق بالماء والكهرباء والأسعار والخدمات والبيئة.
فالمدينة التي تمثل أحد أهم مراكز الثروة المعدنية في موريتانيا، والتي تستفيد من استثمارات شركة «سنيم» ومن توسع نشاط التعدين الأهلي وشبه الصناعي، لا تزال تشهد بين فترة وأخرى احتجاجات وشكاوى محلية تتعلق بظروف المعيشة والخدمات الأساسية.
وفي الوقت نفسه، يتحرك حزب الإنصاف في الولاية ضمن حملة سياسية تحت عنوان استمرار النهج ومواصلة مسيرة التنمية، فيما بدأت دعوات المأمورية الثالثة تظهر في المشهد السياسي الوطني والمحلي، لتضع ازويرات أمام سؤال يتجاوز السياسة الحزبية: هل تكفي المشاريع المنجزة والمبرمجة لإقناع سكان المدينة بأن مسار التنمية يسير بالسرعة التي تتناسب مع حجم الثروة التي تنتجها المنطقة؟
مدينة بُني اقتصادها على التعدين
تعيش ازويرات منذ عقود على إيقاع التعدين، مع حضور استثنائي لشركة الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم»، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد المنجمي في تيرس الزمور.
وخلال السنوات الأخيرة، لم يعد الحديد وحده عنوان المدينة. فقد توسع التعدين الأهلي وشبه الصناعي، وأصبح الذهب مصدر دخل وفرص عمل لعدد كبير من المواطنين، كما نشأت حوله أنشطة تجارية وخدمية ومهنية واسعة.
وتؤكد السلطات أن التعدين الأهلي أصبح قطاعاً اقتصادياً مهماً، نظراً لدوره في توفير فرص العمل وتنشيط الدورة الاقتصادية، فيما تعمل وكالة «معادن موريتانيا» على تنظيم النشاط وتأطيره وتوفير البنية التحتية المرتبطة به.
لكن هذا النشاط يحمل في الوقت نفسه وجهاً آخر؛ فالتوسع السريع في التعدين يطرح أسئلة تتعلق بالسلامة المهنية، وتنظيم مناطق الاستغلال، والمخلفات، والمواد الكيميائية المستخدمة في معالجة الذهب، ومدى قدرة الرقابة البيئية على مواكبة توسع النشاط.
التعدين الأهلي.. فرصة اقتصادية أم عبء بيئي؟
تقول السلطات إن تنظيم التعدين الأهلي يستهدف حماية العاملين والحفاظ على البيئة وتنظيم الاستغلال داخل الأروقة والمناطق المحددة.
وفي المقابل، لا يزال ملف البيئة حاضراً في النقاش المحلي، خصوصاً مع الحديث عن مخلفات التعدين ومعالجة الذهب والمواد الكيميائية المستخدمة في بعض مراحل النشاط.
وقد دفعت هذه الإشكالات الجهات الرسمية إلى إطلاق مبادرات ودراسات لمعالجة الآثار البيئية للتعدين، في وقت تتزايد فيه المطالب بضرورة أن تكون التنمية المنجمية مصحوبة برقابة بيئية أكثر صرامة، لا سيما في منطقة صحراوية ذات موارد مائية محدودة ونظام بيئي شديد الهشاشة.
وهنا تظهر إحدى مفارقات ازويرات: الذهب يوفر دخلاً وفرصاً، لكنه في الوقت نفسه يفرض كلفة بيئية وصحية لا يمكن تجاهلها.
الماء والكهرباء.. الاختبار الأصعب
رغم الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية، ظل الماء والكهرباء من أكثر الملفات حساسية بالنسبة لسكان ازويرات.
فقد استثمرت «سنيم» في السنوات الماضية في توسيع إنتاج المياه وتحسين شبكات الضخ والتخزين، كما أطلقت مشاريع كبيرة في مجال الطاقة.
وفي ديسمبر 2025، دشنت الشركة محطة شمسية بقدرة 12 ميغاوات ومحطة حرارية بقدرة 30 ميغاوات، في محاولة لرفع القدرة الإنتاجية ومواكبة الطلب المتزايد على الكهرباء في المدينة والمنطقة المحيطة بها.
كما وضعت الشركة حجر الأساس لتوسعة جديدة لمحطة تحلية مياه واد الكاح، بطاقة إضافية تبلغ ألف متر مكعب يومياً.
غير أن السكان لم ينظروا دائماً إلى حجم الاستثمارات باعتباره مرادفاً لتحسن الخدمة في حياتهم اليومية.
ففي يوليو 2026 خرج سكان في وقفة أمام مبنى ولاية تيرس الزمور للمطالبة بالماء والكهرباء، وسط شكاوى من انقطاعات الكهرباء ونقص المياه خلال فترة ارتفاع درجات الحرارة.
المفارقة هنا واضحة: مشاريع كبرى تُعلن وتُدشن، لكن المواطن يقيس نجاحها بمعيار مختلف تماماً؛ هل يوجد الماء في الحنفية؟ وهل تستمر الكهرباء عندما ترتفع الحرارة؟
الطرق..مشاريعقائمةوأسئلةعنالمدينة
شهدت ازويرات خلال السنوات الماضية استثمارات في الطرق الحضرية، من بينها مشروع لبناء طرق جديدة وإعادة تأهيل أخرى.
كما تتحدث المشاريع الرسمية عن تطوير البنية الحضرية للمدينة، بينما تستمر الحاجة إلى تخطيط عمراني يستوعب التوسع السكاني والأنشطة الاقتصادية الجديدة، خصوصاً مع توسع التعدين الأهلي وما يرتبط به من حركة سكانية وتجارية.
وفي سبتمبر 2026، احتضنت المدينة ورشة للمصادقة على المخطط التوجيهي للاستصلاح والعمران، وهو ملف بالغ الأهمية لمدينة يتغير شكلها الاقتصادي والاجتماعي بسرعة.
فالمشكلة لم تعد فقط في تعبيد شارع أو إنشاء منشأة، وإنما في السؤال الأكبر: أي مدينة تريد ازويرات أن تكون خلال السنوات المقبلة؟
مدينة غنية.. وأسعار لا ترحم
الثروة المعدنية لا تعني بالضرورة انخفاض تكلفة الحياة.
فالمدينة البعيدة عن المراكز الساحلية والأسواق الكبرى تتحمل تكاليف إضافية مرتبطة بالنقل والتموين، وهو ما ينعكس على أسعار عدد من السلع والخدمات.
وفي أبريل 2026، خرج ناشطون في ازويرات في وقفة للمطالبة بخفض الأسعار، مع اعتراض خاص على ارتفاع أسعار المحروقات والغاز المنزلي.
وبحسب ما نقلته مصادر محلية، وصل سعر قارورة الغاز المنزلي ذات وزن 12.5 كلغ إلى 5550 أوقية قديمة، مقارنة بـ3550 أوقية قبل الزيادة المشار إليها.
كما ظهرت شكاوى أخرى مرتبطة بارتفاع تكاليف النقل والأعلاف، انعكست بدورها على أسعار المواشي.
وهكذا تظهر مفارقة ثانية: مدينة تستخرج الذهب والحديد، لكنها لا تستطيع دائماً حماية سكانها من ارتفاع كلفة المعيشة.
الشارع يتحدث بلغة مختلفة
في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع المحلية، تظهر صورة أكثر تعقيداً من الصورة الرسمية.
فهناك من يرى أن ازويرات استفادت فعلاً من مشاريع مهمة، وأن التحول في الكهرباء والمياه والطرق والبنية التحتية لا يمكن إنكاره.
وفي المقابل، هناك أصوات محلية تنتقد ما تعتبره فجوة بين حجم الثروة المستخرجة من المنطقة وبين مستوى الخدمات المقدمة لسكانها.
وتظهر هذه الأصوات في الاحتجاجات المتعلقة بالماء والكهرباء والأسعار، وفي النقاشات حول التعدين الأهلي، وكذلك في مقالات رأي محلية تنتقد ما تعتبره محاولة اختزال المدينة في وظيفة انتخابية أو سياسية.
ولا يمكن اعتبار منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، بطبيعتها، استطلاعاً علمياً للرأي العام؛ لكنها تظل مؤشراً على القضايا التي تشغل السكان وتستحق التحقق الميداني.
التعدين الأهلي بين الدولة والمنقبين
ومن أكثر الملفات حساسية العلاقة بين الدولة والمنقبين.
فالسلطات تريد تنظيم القطاع وتأطيره، بينما يطالب العاملون فيه بضمان استمرار نشاطهم وعدم فرض إجراءات يرون أنها قد تضر بمصالحهم.
وفي ازويرات ظهرت أصوات تمثل المنقبين تنتقد بعض الإجراءات التنظيمية، وتطالب بإشراك العاملين في صناعة القرارات التي تمس نشاطهم.
وهنا يبرز سؤال أساسي: هل يمكن بناء نموذج ناجح للتعدين الأهلي من دون شراكة حقيقية بين الدولة والمنقبين والبلديات والمجتمع المحلي؟
فالقطاع لم يعد نشاطاً هامشياً؛ بل أصبح جزءاً من الاقتصاد المحلي، وبالتالي فإن تنظيمه يحتاج إلى موازنة دقيقة بين حماية البيئة والسلامة وبين حماية مصدر رزق آلاف الأشخاص.
السياسة تدخل على خط التنمية
في خضم هذه الملفات، عادت السياسة بقوة إلى ازويرات.
فقد شهدت المدينة نشاطاً لحزب الإنصاف، بما في ذلك زيارة بعثة حزبية واجتماعات مع الأطر والمنتسبين، في سياق تحرك سياسي أوسع للحزب في الولايات.
ويركز خطاب الحزب على «مواصلة النهج» واستمرار مسيرة الإصلاح والتنمية والبناء على ما تحقق.
وهذا الخطاب يلتقي، في جزء منه، مع المشاريع التي أطلقتها الدولة في المدينة: الكهرباء، الماء، الطرق، التعدين، والتخطيط العمراني.
لكن المشكلة السياسية تبدأ عندما يُطلب من المواطن أن يترجم هذه المشاريع إلى موقف سياسي، بينما يظل المواطن نفسه منشغلاً بسؤال يومي أبسط: الماء والكهرباء والأسعار.
من «مواصلة النهج» إلى «المأمورية الثالثة»
أصبح شعار استمرار النهج خلال 2026 جزءاً من خطاب سياسي واسع، تزامناً مع بروز دعوات من شخصيات وفعاليات مختلفة تطالب باستمرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في الحكم لولاية ثالثة.
وفي ازويرات نفسها، ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي مواقف مؤيدة وأخرى رافضة لهذه الدعوات.
وبينما يرى مؤيدو الاستمرارية أن المشاريع والسياسات التي بدأت خلال السنوات الماضية تحتاج إلى وقت لاستكمالها، يعتبر المعارضون أن الاستقرار السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاوز الحدود الدستورية أو إعادة فتح نقاش المأموريات.
واللافت أن هذا النقاش يجري في مدينة يمكن أن تكون نموذجاً مصغراً لهذا الصراع بين الخطابين: خطاب الإنجازات والمشاريع من جهة، وخطاب الخدمات اليومية والحقوق والمطالب من جهة أخرى.
ماذا يقول سكان ازويرات فعلياً؟
بعيداً عن المهرجانات السياسية والبيانات الرسمية، يمكن اختصار الأسئلة التي يحتاجها أي تقييم حقيقي لوضع المدينة في مجموعة من الملفات:
هل أصبح الماء متاحاً بصورة مستقرة؟
هل انتهت مشكلة الانقطاعات الكهربائية؟
هل انعكست الاستثمارات المنجمية على مستوى معيشة الأسر؟
هل يستطيع المواطن العادي تحمل أسعار الغذاء والغاز والنقل؟
هل يحصل الشباب على نصيب عادل من فرص التعدين؟
هل توجد رقابة بيئية فعالة على مخلفات التعدين؟
هل تتناسب البنية الصحية والتعليمية مع حجم المدينة ودورها الاقتصادي؟
وهل يشعر سكان ازويرات بأن مدينتهم تحصل على نصيبها العادل من الثروة التي تنتجها؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها الأرقام الرسمية وحدها، ولا الاحتجاجات وحدها؛ وإنما تحتاج إلى عمل ميداني يستمع إلى السكان والعمال والمنقبين والتجار والأطباء والمهندسين والمنتخبين والسلطات المحلية.
ازويرات.. ما بعد الصورة الرسمية
لا يمكن إنكار أن ازويرات شهدت خلال السنوات الأخيرة استثمارات مهمة في الكهرباء والمياه والطرق والطاقة والتعدين.
لكن لا يمكن في الوقت نفسه تجاهل الاحتجاجات والشكاوى التي شهدتها المدينة خلال 2026، خصوصاً حول الماء والكهرباء والأسعار.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التحقيق: مدينة تتلقى استثمارات بمليارات الأوقية في البنية التحتية، وتعيش فوق واحدة من أهم الثروات المعدنية في البلاد، لكنها لا تزال تواجه مطالب أساسية مرتبطة بجودة الحياة.
ولذلك فإن مستقبل ازويرات لن يتحدد فقط بحجم الحديد الذي تستخرجه «سنيم»، ولا بكمية الذهب التي ينتجها التعدين الأهلي، ولا بعدد المشاريع التي تُدشن.
بل سيتحدد بقدرة الدولة على تحويل الثروة المعدنية إلى مدينة قابلة للحياة، وخدمات مستقرة، وبيئة محمية، وأسعار يمكن للأسر تحملها، وفرص عادلة للشباب، وتخطيط عمراني يسبق التوسع بدل أن يلحق به.
أما سياسياً، فإن أي حديث عن «مواصلة النهج» أو عن مأمورية ثالثة سيظل في حاجة إلى اختبار أصعب من المهرجانات والخطابات: اختبار الشارع نفسه.
وفي ازويرات، يبدو أن هذا الاختبار يبدأ من الماء والكهرباء، ويمر بالأسعار والبيئة والتعدين، وينتهي بالسؤال الأكبر: هل يشعر المواطن أن ثروة مدينته تغيّر حياته فعلاً؟



