
العين ميديا : تُعدّ مدينة نواذيبو، العاصمة الاقتصادية لموريتانيا والواقعة على شبه جزيرة رأس نواذيبو المطلّة على المحيط الأطلسي، من أهم المدن الساحلية في غرب أفريقيا بفضل ثروتها السمكية الهائلة على امتداد سواحل تفوق 700 كيلومتر. غير أن هذا الموقع الاستراتيجي الذي جعل من المدينة قطبًا اقتصاديًا لصيد الأسماك واستخراج الحديد، تحوّل في الوقت نفسه إلى مصدر ضغط بيئي متصاعد، تتقاطع فيه مشكلات التلوث البحري والصناعي وتلوث الهواء والنفايات، لتشكّل تحديًا حقيقيًا أمام صحة السكان واستدامة الموارد الطبيعية للمدينة.
– أبرز مصادر التلوث في نواذيبو
. مقبرة السفن: أكبر مقبرة سفن في العالم
يُعرف ساحل نواذيبو بامتلاكه واحدة من أكبر مقابر السفن المتهالكة في العالم. فعلى مدى ثلاثة عقود، تساهلت السلطات مع أصحاب السفن القديمة الذين تخلّوا عن سفنهم على الشاطئ بدلًا من تحمّل تكاليف تفكيكها في الموانئ العالمية، بدءًا من الطراد الفرنسي “شازلوب-لوبات” في عشرينيات القرن الماضي، وصولًا إلى مئات الهياكل الصدئة المتراكمة اليوم. هذا الحطام الهائل يُرجَّح أن يكون مصدرًا لتسرّب ملوثات بحرية خطيرة، حيث أشارت دراسة نُشرت في مجلة متخصصة بالأبحاث البيئية إلى احتمال ارتباط ارتفاع مستويات التلوث في شواطئ غرب أفريقيا بهذا الحطام، إضافة إلى عمليات حرق أو تصريف نفايات غير خاضعة للرقابة.
التلوث الهيدروكربوني في خليج ليفريير (خليج داخلة نواذيبو)
يواجه هذا الخليج، المكتظّ بالمصانع وحركة السفن والسيارات والقاعدة البحرية العسكرية، مشكلة تلوث بحري هيدروكربوني ناتج عن أنشطة النفط والغاز، وقد شهدت المياه الإقليمية الموريتانية تغطية واسعة ببقع سوداء في مناسبات سابقة، ما يعكس هشاشة النظام البيئي البحري في هذه المنطقة الحيوية للصيد.
مصانع دقيق وزيت السمك
يوجد في نواذيبو ما يقارب أربعين شركة تنشط في تجميد الأسماك وإنتاج طحين وزيت السمك، وهو قطاع لا يزال يفتقر إلى رقابة حكومية صارمة تضمن التزام هذه المصانع بالمعايير الدولية غير الملوِّثة للبيئة. وقد وثّقت تقارير إعلامية أن الروائح الكريهة والانبعاثات الناتجة عن هذه المصانع دفعت بعض السكان إلى الهجرة من أحيائهم، كما سُجّلت حوادث إصابة لعمّال داخل بعض هذه المصانع.
الغبار وتلوث الهواء
يشكّل الغبار، في ظل محدودية الغطاء النباتي والتشجير، أحد أبرز التحديات البيئية للمدينة، بما ينعكس سلبًا على جودة الهواء والصحة العامة والمشهد الحضري العام. ويُضاف إلى ذلك غياب محطات رسمية لقياس تركيز تلوث الهواء في موريتانيا عمومًا، ما يجعل تتبع حجم المشكلة والتحذير منها أمرًا صعبًا.
النفايات وغياب الصرف الصحي في الأحياء العشوائية
يؤدي استقرار الفئات الأكثر هشاشة، ومنهم بدو استقروا حديثًا، في مناطق عشوائية على أطراف المدن الساحلية الكبرى كنواذيبو ونواكشوط، إلى تفاقم أزمة النفايات وغياب مرافق الصرف الصحي المناسبة، وهو ما يرفع من مستويات التلوث في المدينة وينعكس لاحقًا على الساحل.
الآثار المترتبة
– صحية: تلوث الهواء بالغبار والانبعاثات الصناعية يهدد الجهاز التنفسي للسكان، مع تسجيل إصابات عمالية مباشرة في بعض المصانع.
– بيئية:*تهديد التنوع البحري والثروة السمكية التي تُعدّ عصب اقتصاد المدينة، عبر التلوث الهيدروكربوني وحطام السفن.
– اجتماعية:هجرة بعض السكان من أحيائهم بسبب الروائح والتلوث، وتدهور ظروف العيش في المناطق العشوائية.
– اقتصادية وسياحية: رغم أن مقبرة السفن تحوّلت مفارقةً إلى معلم يجذب الفضول السياحي، فإن استمرار التلوث يهدد بتراجع الثقة الدولية في جودة المنتجات البحرية الموريتانية.
التوصيات
1. تشديد الرقابة الحكومية على مصانع تصنيع الأسماك وإلزامها بمعايير بيئية دولية موثقة.
2. إطلاق برنامج وطني لإزالة أو إعادة تدوير حطام السفن المتراكم قبالة السواحل.
3. إنشاء محطات رسمية لرصد جودة الهواء في نواذيبو ونشر بياناتها للسكان.
4. الاستثمار في التشجير ومصدات الرياح والطاقة المتجددة وتحلية المياه للحد من أثر الغبار.
5. تحسين خدمات الصرف الصحي وجمع النفايات في الأحياء الفقيرة والعشوائية.
تقف نواذيبو اليوم عند مفترق طرق بين ماضٍ راكم تحديات بيئية متعددة الأوجه، ومستقبل يمكن أن يعيد تعريف المدينة كوجهة تجمع بين الثروة السمكية والتنمية المستدامة. فمعالجة هذه الملفات ليست ترفًا بيئيًا، بل شرط أساسي لاستمرار المدينة كقاطرة اقتصادية لموريتانيا.



