
في مدينة “گرو” بولاية لعصابة، تختصر مدرسة **باب السلام** مأساة قطاع كامل. مدرسة تأسست بداية سبعينيات القرن الماضي في عهد الرئيس المؤسس المختار ولد دداه رحمه الله، وتخرّجت منها كوادر وطنية تبوأت مواقع مسؤولية، أصبحت اليوم صورة مصغرة لسؤال أكبر: أين تذهب المليارات التي تُعلن الحكومة سنويًا عن رصدها لقطاع التعليم، بينما تنهار فصول هذه المدرسة أمام أعين تلاميذها؟ (المصدر: معاينة ميدانية لكاميرا العين ميديا)
من أصل ستة فصول تضمها المدرسة، لا تزال أربعة فصول قديمة في حالة يرثى لها: طاولات متهالكة، سقف من صفائح حديدية متآكلة، أرضية طينية تعود لعصور غابرة، وغياب تام للمرافق الصحية، وسط بقايا مياه أمطار وفضلات حيوانية. أما ساحتها فيتوسطها عمود علم مائل، تحيط به أعمدة صدئة كانت تحمل يومًا سياجًا حديديًا اندثر مع الزمن، تاركًا المدرسة بلا حماية. (المصدر: معاينة ميدانية لكاميرا العين ميديا)
هذا الواقع يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يروّج لمشروع “المدرسة الجمهورية”، حيث أكدت وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي هدى بنت باباه أن البلاد دخلت “ثالث خطوات إصلاح التعليم الكبرى” لاستعادة المدرسة الابتدائية العمومية لمكانتها كحضن جامع لكل الموريتانيين. (المصدر: صحيفة القدس العربي، أكتوبر 2024)
لكن الأرقام تفضح حجم الفجوة بين الشعار والميدان: معدل إكمال المرحلة الابتدائية لا يزال دون 70%، ولا يتجاوز من يصل إلى نهاية الإعدادية 45% من الذكور و42% من الإناث، بحسب أحدث تقرير لليونسكو. (المصدر: موقع الأخبار الموريتاني، نقلًا عن تقرير اليونسكو، سبتمبر 2025)
كما يقدَّر النقص في المقاعد الدراسية على المستوى الوطني بـ145 ألف مقعد، فيما لا تتجاوز نسبة المراحيض مرحاضًا واحدًا لكل 32 قسمًا، أي ما يعادل مرحاضًا واحدًا لكل ثلاث مدارس تقريبًا – وهو ما يفسر غياب أي مرفق صحي في مدرسة باب السلام. (المصدر: موريتانيا الآن، د محمد الأمين حمادي)
الأخطر أن الإنفاق العمومي على التعليم لا يتجاوز 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم دون المتوسط الإفريقي، رغم أن ميزانية وزارة التربية وحدها بلغت في مشروع قانون المالية لسنة 2026 نحو **120.6 مليار أوقية قديمة**. فأين تذهب هذه الاعتمادات الضخمة إن لم تصل إلى فصل دراسي واحد في گرو؟ (المصدر: صحراء ميديا، نوفمبر 2025)
طاقم تعليمي منسي في الظل أيضًا
خلف جدران هذه الفصول المتصدعة، يقف طاقم تعليمي يعاني بدوره من تهميش صامت. تقارير محلية توثّق تكرار شكاوى الأساتذة والمعلمين من تدني الأجور وضعف برامج التدريب والتكوين، وغياب استراتيجية وطنية واضحة لتحسين وضعهم المهني والاجتماعي. (المصدر: موقع الريادة، ديسمبر 2025)
كما ظلت ملفات مطلبية للنقابات التعليمية – من بينها ملفات الترقيات والآثار الرجعية المالية – معلقة لسنوات دون حسم، وسط اتهامات للوزارة الوصية بـ”اللامبالاة” في التعاطي مع مطالب مشروعة للعاملين في القطاع. (المصدر: هسبريس)
ورغم استفادة آلاف الأسر الموريتانية من بطاقات التأمين الصحي الشامل التي دشنها رئيس الجمهورية، يبقى سؤال شمول العاملين في القطاع التعليمي أنفسهم بتغطية صحية فعلية تضمن لهم الحصول على العلاج والدواء دون تأخير أو تعطيل، مطلبًا متكررًا لم يجد بعد إجابة رسمية حاسمة. (المصدر: بوابة الأهرام)
بين فصول تتهاوى وطاقم تعليمي يُدرّس وهو مثقل بهمومه المعيشية، يبقى السؤال معلّقًا فوق العمود المائل في ساحة “باب السلام”: **مدرسة جمهورية لمن؟



