خطاب غزواني ..وواقع شنقيط المتجاهل

جاء حديث الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أمام سكان مدينة شنقيط عن التعليم والتنمية ليعيد طرح سؤال أوسع من مضمون الخطاب نفسه: كيف يمكن لمدينة تحمل هذا الثقل التاريخي والثقافي أن تظل تعاني مظاهر الهشاشة والتهميش؟
فشنقيط ليست مجرد مدينة داخل ولاية آدرار، بل واحدة من أبرز الحواضر التاريخية في موريتانيا، ارتبط اسمها بالعلم والمخطوطات والفقه والرحلات والتبادل الثقافي، وحملت إلى الخارج صورة موريتانيا العلمية والثقافية عبر قرون. كما أن مكانتها التاريخية تمنحها رصيداً ثقافياً يمكن أن يشكل أساساً لصناعة سياحة ثقافية واقتصاد محلي قائم على التراث والمعرفة.
غير أن هذا الرصيد الرمزي والثقافي لا ينعكس بالضرورة، بالقدر الكافي، على واقع المدينة وسكانها. فالتحدي لا يتعلق فقط بوجود المعالم والمخطوطات والموروث الثقافي، وإنما بقدرة السياسات العمومية على تحويل هذا التراث إلى مورد تنموي مستدام، من خلال حماية المدينة القديمة، وصيانة معالمها، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، وربط الثقافة بالتعليم والسياحة والاقتصاد المحلي.
ومن هذه الزاوية، تبدو دعوة الرئيس إلى جعل التعليم قاطرة للتنمية ذات دلالة خاصة في مدينة مثل شنقيط؛ فالتعليم فيها لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره خدمة عمومية فقط، بل يمكن أن يكون جزءاً من مشروع أوسع لإعادة الاعتبار لدورها العلمي والثقافي، وربط الأجيال الجديدة بذاكرة المدينة، وتطوير تخصصات ومشاريع مرتبطة بالمخطوطات والتراث والبحث التاريخي والسياحة الثقافية.
كما أن الحديث عن التنمية المستدامة والحد من الفوارق يفتح نقاشاً حول نصيب المدن التاريخية من الاستثمارات العمومية. فامتلاك رصيد ثقافي استثنائي لا يحمي المدينة تلقائياً من التراجع العمراني أو ضعف الخدمات أو محدودية الفرص الاقتصادية، ما لم يتحول ذلك الرصيد إلى سياسات واضحة ومستمرة.
وتملك شنقيط، في المقابل، عناصر يمكن أن تجعلها نموذجاً للتنمية القائمة على الثقافة: التراث العمراني، المخطوطات، المدارس والمحاظر، الذاكرة العلمية، والارتباط التاريخي بالفضاء الصحراوي. لكن الاستفادة من هذه العناصر تتطلب رؤية تتجاوز الموسمية والاحتفاء الرمزي بالمدينة إلى الاستثمار طويل الأمد في الإنسان والمكان والتراث.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق النقاش: مدينة صنعت جزءاً مهماً من الصورة العلمية والثقافية لموريتانيا، لكنها لا تزال بحاجة إلى أن تتحول مكانتها التاريخية إلى واقع تنموي يلمسه سكانها.
لذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بعد خطاب الرئيس في شنقيط ليس فقط: ماذا تحقق في مجال التعليم؟ وإنما أيضاً: ماذا تحتاج شنقيط اليوم حتى تتحول ثروتها الثقافية الهائلة من ذاكرة محفوظة إلى قوة دافعة للتنمية؟



