تصدّع هادئ في خريطة القوة العالمية
:للمرة الأولى منذ قرون، لم تعد السيادة حكرا على الدول. تقارير ومصادر دولية متعددة -من الجزيرة إلى بي بي سي ومجلة “فورين أفيرز” ومؤسسات بحثية كبرى- ترصد اليوم ظاهرة واحدة من زوايا مختلفة: شركات ذكاء اصطناعي قليلة العدد باتت تملك من النفوذ المالي والتقني ما يؤهلها لمنافسة الحكومات في قرارات كانت حكرا عليها، وسط عجز -أو تردد- سياسي عالمي عن كبح هذا التمدد.
تحذيرات تخرج من قلب الصناعة
بحسب تقرير بثته الجزيرة، خرج جيكوب كوكسون، الباحث السابق في أوبن إيه آي وأنثروبيك، عن صمته معلنا استقالته ومحذرا من أن الشركتين تخوضان سباقا غير مسؤول نحو “الذكاء الفائق”، مؤكدا أن بعض العاملين على بناء هذه الأنظمة يعتقدون فعليا بإمكانية تسببها في كوارث وجودية. ولم يكن وحيدا؛ إذ أيده إيفان هوبينجر، باحث السلامة في أنثروبيك، مرجّحا احتمال وقوع حادثة كارثية خلال العقد المقبل بنسبة تتجاوز 10%، بينما حذر بول كريستيانو، عضو مجلس إدارة المؤسسة غير الربحية التابعة لأوبن إيه آي، من فقدان دائم للسيطرة البشرية على هذه الأنظمة. ورغم ذلك، رفضت الولايات المتحدة حتى الآن إخضاع شركات الذكاء الاصطناعي لأي قيود قانونية أو أخلاقية ملزمة.
من ضيوف على الطاولة إلى لاعبين بالوكالة
الأمر لم يعد نظريا. في قمة مجموعة السبع الأخيرة، جلس رؤساء تنفيذيون من أوبن إيه آي وأنثروبيك وديب مايند إلى جانب زعماء أقوى سبع دول في العالم، لا كضيوف بل كأنداد، في مشهد وصفه معلقون بأنه يعكس صراعا حقيقيا على النفوذ في أعلى مستويات صنع القرار، لا مجرد تنافس تجاري على حصص السوق.
هذا التحول وصفته مجلة “فورين أفيرز” بأنه “مفارقة القوة” في عصر الذكاء الاصطناعي: فبينما كان يُفترض تاريخيا أن الدول وحدها من تملك سلطة تنظيم التقنيات الحاسمة، تنقلب المعادلة اليوم إذ تتحكم شركات مثل أوبن إيه آي وغوغل وميتا فعليا فيما يمكن لنماذجها فعله، ومن يستطيع استخدامها، وبأي شروط -وهي صلاحيات كانت حكرا على الدول. ومصطفى سليمان، أحد مؤسسي ديب مايند، وصف مطوري الذكاء الاصطناعي بأنهم “فاعلون جيوسياسيون جدد” تُستمد سيادتهم من القدرة التقنية لا من صندوق الاقتراع أو العقد الاجتماعي.
عندما تتحدى الشركات الدول علنا
الأمثلة على هذا التحدي العلني تراكمت خلال العام الأخير:
– في مواجهة مباشرة مع الاتحاد الأوروبي، سبق لأوبن إيه آي أن هددت بوقف عملياتها في أوروبا احتجاجا على تشريعات تنظيمية مقترحة، في سابقة رأى فيها مراقبون خطورة أن تبلغ شركة من الحجم الذي يمكّنها من إملاء الأنظمة التي تقبل الخضوع لها.
– في الولايات المتحدة، دخلت أنثروبيك في مواجهة مباشرة مع البنتاغون بعد رفضها التنازل عن ضوابط تمنع استخدام نماذجها في المراقبة الجماعية أو الأسلحة الذاتية التشغيل؛ فردت وزارة الدفاع بتصنيف الشركة “خطرا على سلسلة الإمداد” والتلويح بقانون الإنتاج الدفاعي لإجبارها على الخضوع، قبل أن تلجأ الشركة إلى القضاء الفيدرالي بدعم من نحو 150 قاضيا متقاعدا.
– مقارنات تاريخية بدأت تُطرح بجدية، إذ يستحضر باحثون سابقة شركة الهند الشرقية البريطانية التي تحولت من كيان تجاري إلى قوة استعمارية فعلية تجاوزت سلطة الحكومة التي أنشأتها؛ والسؤال المطروح اليوم هو: هل يمكن لأي جهة أن تدّعي السيادة بمفردها في مواجهة عمالقة رقميين، على حد تعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في وقت سابق؟
– حتى داخل بريطانيا، رصدت مجلة “نيوستيتسمان” تغلغل الذكاء الاصطناعي في مفاصل الدولة نفسها؛ من بنك إنجلترا الذي يستخدم التعلم الآلي في قرارات الفائدة، إلى هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي بي سي) التي تستعين به في إعادة صياغة موادها الإخبارية، وصولا إلى موظفي الحكومة الذين يعتمدون عليه في صياغة المراسلات والخطب الرسمية.
قوة المال: من يملك الثروة يملك النفوذ
الأرقام تكشف حجم الفجوة: أنفقت 4 شركات تكنولوجيا عملاقة في 2026 وحدها 650 مليار دولار على الذكاء الاصطناعي، وهو مبلغ يتجاوز موازنات الدفاع لكل دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة، وأكثر مما أنفقته الولايات المتحدة نفسها على التعليم والتدريب والخدمات الاجتماعية مجتمعة قبل عام واحد فقط.
هذه الفجوة المالية تنعكس مباشرة على البنية التحتية للحوسبة: بيّن بحث لمعهد أكسفورد للإنترنت أن 34 دولة فقط تستضيف أي قدرة حوسبة عامة للذكاء الاصطناعي، منها 24 دولة فقط تملك وصولا لحوسبة بمستوى التدريب على النماذج الكبرى، بينما تدير الشركات الأميركية والصينية وحدها نحو 90% من إجمالي القدرة الحاسوبية العالمية للذكاء الاصطناعي.
وفي السياق نفسه، حذّرت منظمة أوكسفام الدولية في تقريرها “مقاومة حكم الأثرياء” من تركز ثروة غير مسبوقة في قطاع التقنية، مشيرة إلى توسع أثرياء التقنية -من بينهم رؤساء تنفيذيون بارزون في قطاعي الرقائق والسيارات الكهربائية- في الذكاء الاصطناعي ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في آن واحد، بما يعزز قدرتهم على التأثير في السياسة والرأي العام عالميا.
بين واشنطن وبكين وبروكسل: ثلاثة نماذج متصارعة
يرى البعض أن فرض أطر قانونية صارمة لحوكمة الذكاء الاصطناعي هو تقييد لحرية البحث والابتكار. وتتوزع الدول اليوم على ثلاثة نماذج متعارضة:
– الصين، الدولة الوحيدة التي نجحت فعليا في تفكيك شركات تقنية كبرى، عبر حملة استمرت 3 سنوات (2020-2023) محت مليارات الدولارات من القيمة السوقية لشركات مثل علي بابا التي قُسّمت إلى 6 كيانات منفصلة.
– **الاتحاد الأوروبي**، الذي بات الجهة التنظيمية الأبرز عالميا عبر “قانون الذكاء الاصطناعي” الشامل القائم على تصنيف الأنظمة وفق درجة خطورتها، ويستعد لحزمة “السيادة التقنية” الجديدة التي تشمل قانونا للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
– **الولايات المتحدة**، التي تنتهج مقاربة أقرب إلى عدم التدخل؛ فقد وقّع الرئيس الأميركي في يونيو/حزيران 2026 أمرا تنفيذيا يوجه الوكالات الفيدرالية نحو إطار طوعي للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، فيما وجّهت مذكرة أمن قومي لاحقة الوكالات لإنهاء عقود الشركات التي “تظهر نمطا متكررا من التصرفات” المخالفة لسياسات الإدارة -وهي صيغة رأى منتقدون أنها تمنح الحكومة أداة ضغط مباشرة على شركات الذكاء الاصطناعي نفسها.
تحالف “باكس سيليكا: الوصول المشروط بالولاء السياسي
في تطور لافت كشفت عنه تقارير جيوسياسية متخصصة، جرى في واشنطن بديسمبر/كانون الأول 2025 توقيع إطار غير معلن سابقا يعرف باسم “باكس سيليكا”، ضم 9 دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وهولندا وإسرائيل والإمارات وأستراليا، على أن ينضم إليها لاحقا كل من السويد والهند، بينما بقي الاتحاد الأوروبي خارج الإطار. ويقوم هذا التحالف على مبدأ أن الوصول إلى الرقائق والحوسبة والنماذج المتقدمة بات مشروطا بالانحياز السياسي لا بآليات السوق المفتوحة، في نقلة وصفها المراقبون بأنها أبعد من مجرد ضوابط تصدير دفاعية إلى بنية تأسيسية جديدة لتوزيع القوة التقنية عالميا.
وفي مؤشر آخر على تسييس العلاقة بين شركات الذكاء الاصطناعي والدول، برزت تقارير عن توجه شركة أنثروبيك لإعطاء أولوية في خدماتها لمجموعة محددة من الدول عرّفها رئيسها التنفيذي دارّيو أمودي، ما أثار تساؤلات حول معايير “الولاء الجيوسياسي” التي قد تحكم تعامل شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى مع الحكومات مستقبلا، والمخاطر المترتبة على اعتماد أي دولة الكامل على شركة أميركية أو صينية بعينها في بنيتها الرقمية الحساسة.
أصوات تحذّر: النموذج غير قابل للاستدامة
وصفت الباحثة والصحفية التقنية بارمي أولسون في حديث ببرنامج “ذا إنترفيو” على بي بي سي هذه الشركات بأنها لا تكترث كثيرا بما تفعله الحكومات، لأن أولويتها هي مساهموها ونموها الفصلي، وأن الغرامات التنظيمية -مهما بلغت مليارات الدولارات- تبقى أقرب إلى “مخالفة مرورية” بالنسبة لشركات بهذا الحجم من عائدات السوق، مشككة في قدرة الحكومات على ضبط نفوذ تجاوز فعليا سيطرتها السياسية.
سيادة رقمية على مفترق طرق
الصورة التي ترسمها هذه المصادر مجتمعة تكشف معادلة قوة جديدة: عدد محدود من الشركات الخاصة بات يملك من الثروة والبنية الرقمية -مراكز بيانات، رقائق، نماذج ذكاء اصطناعي- ما يفوق قدرات دول بأكملها، بينما يبقى العالم منقسما بين ثلاثة نماذج حوكمة متنافسة: أميركي شبه متحرر من القيود، وأوروبي تنظيمي صارم، وصيني قائم على سيطرة الدولة المباشرة على الشركات. هذا الفراغ التنظيمي هو ما يغذي التحذيرات المتصاعدة، سواء من فقدان السيطرة البشرية على الآلة، أو من تآكل سيادة الدول أمام لاعبين تقنيين لم يعودوا يكتفون بتقديم الخدمة، بل باتوا يشاركون في صياغة القرار نفسه
المصادر: الجزيرة نت، بي بي سي (The Interview)، مجلة فورين أفيرز، مجلة نيوستيتسمان، مجلة فورتشن، منصة Rest of World، تقارير GIS Reports وبروكينغز والمنتدى الاقتصادي العالمي، تقرير أوكسفام الدولية، بيانات معهد أكسفورد للإنترنت (عبر ديلويت)، إضافة إلى تقارير عربية من الراي وسودانايل ومدار الساعة.




