بعثة أمريكية في نواكشوط تبحث تحويل فرص موريتانيا إلى مشاريع استثمارية
العين ميديا -نواكشوط :تبحث بعثة تجارية أمريكية رفيعة في نواكشوط تحويل الفرص التي تتيحها الموارد والموقع الجغرافي لموريتانيا إلى مشاريع استثمارية وشراكات مباشرة، في وقت تفتح فيه الحكومة قطاعات المعادن والطاقة والزراعة والصيد والصناعات الغذائية والاقتصاد الرقمي والبنية التحتية أمام المستثمرين، بينما تدفع الشركات الأمريكية باتجاه حضور يتجاوز التمويل إلى التكنولوجيا والخبرة والخدمات المتخصصة.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية في ظل تنامي المبادلات الاقتصادية بين البلدين؛ فقد بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات بين الولايات المتحدة وموريتانيا نحو 240.6 مليون دولار خلال 2025، بزيادة 26.5% عن 2024، وفق بيانات الممثل التجاري الأمريكي.
واشنطن ترى سوقًا استثمارية تتجاوز الموارد الخام
لا تنظر المؤسسات الأمريكية إلى موريتانيا باعتبارها مجرد بلد غني بالموارد الطبيعية، بل كسوق تفتح فيها التحولات الجارية مجالات جديدة أمام الشركات الأمريكية.
وتشير وزارة التجارة الأمريكية، في تقييم محدث لمناخ الاستثمار في موريتانيا، إلى أن الحكومة الموريتانية تسعى إلى جذب الاستثمارات الأجنبية والشراكات في قطاعات التعدين والطاقة والزراعة والصيد، معتبرة موريتانيا وجهة تسعى إلى ترسيخ موقعها الاستثماري.
وفي قطاع الغاز تحديدًا، ترى الوزارة أن دخول موريتانيا مرحلة تصدير الغاز الطبيعي المسال منذ 2025 يفتح فرصًا في التشغيل والصيانة، والمعدات البحرية وتحت سطح البحر، والخدمات اللوجستية، ومراقبة البيئة، وأنظمة السلامة، ومشاريع توليد الكهرباء بالغاز، إضافة إلى فرص مستقبلية في الصناعات البتروكيماوية والأسمدة.
الحكومة الموريتانية تعرض الموارد وتراهن على القيمة المضافة
وفي افتتاح منتدى الأعمال الموريتاني-الأمريكي، عرض وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية، عبد الله ولد سليمان ولد الشيخ سيديا، القطاعات التي تراها الحكومة ذات أولوية أمام المستثمرين الأمريكيين، مشيرًا إلى المعادن والطاقة والصناعات الغذائية والصيد والزراعة، إضافة إلى الاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية.
وأكد الوزير أن الحكومة تعمل على إصلاحات هيكلية لتحسين مناخ الأعمال وتعزيز الأمن القانوني للاستثمار، موضحًا أن الرؤية التنموية تقوم على تحويل موارد البلاد وإمكاناتها إلى قيمة مضافة محلية من خلال تطوير الصناعات التحويلية ونقل التكنولوجيا وتعزيز القدرات الإنتاجية.
وتنسجم هذه الرؤية مع تقييم وزارة التجارة الأمريكية للسوق الموريتانية، التي ترى أن الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الصناعات الاستخراجية، فيما تفتح مشاريع الغاز والطاقة المتجددة وتطوير البنية التحتية واللوجستيات مجالات جديدة أمام المستثمرين.
العرض الأمريكي: رأس المال ومعه التكنولوجيا
من جانبها، أكدت القائمة بالأعمال في سفارة الولايات المتحدة بنواكشوط، كورينا ر. ساندرز، أن توسيع العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين يمثل أولوية للسفارة الأمريكية.
وقالت إن الشركات الأمريكية «لا توفر رأس المال فحسب، وإنما تجلب معها التكنولوجيا المتطورة والخبرات والمعايير العالية في مجالات الشفافية والإدارة»، معتبرة أن توسيع هذا النوع من التعاون يمكن أن يسهم في خلق فرص عمل وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
ويحمل هذا الجانب من العرض أهمية خاصة بالنسبة لموريتانيا، لأن الاستثمار المطلوب لا يتعلق فقط بتمويل المشاريع، وإنما أيضًا بنقل المعرفة والتكنولوجيا وتطوير الخدمات المرتبطة بالقطاعات الإنتاجية.
وتوصي وزارة التجارة الأمريكية المستثمرين الراغبين في دخول السوق الموريتانية بالتواصل المباشر مع الجهات الحكومية المعنية ووكالة ترقية الاستثمارات، كما تشير إلى أهمية الشريك المحلي في فهم السوق والبيئة التجارية والإجراءات المطلوبة.
بعثة أمريكية تبحث مشاريع محددة لا مجرد التعارف
وتضم البعثة شركات ومستثمرين أمريكيين، مع اهتمام معلن بقطاعات الطاقة والغاز والنفط والطاقات المتجددة والتعدين والبنية التحتية والزراعة والصيد والاقتصاد الرقمي والاتصالات والصحة واللوجستيات.
وبحسب الجهة الأمريكية المنظمة للبعثة، فإن برنامجها يقوم على اجتماعات مباشرة بين الشركات الأمريكية والموريتانية، ولقاءات مع المسؤولين الحكوميين، وزيارات ميدانية، وعروض قطاعية، وبحث مشاريع ذات إمكانات مرتفعة وشراكات استراتيجية مع شركاء محليين.
القطاع الخاص الموريتاني يرفع سقف التوقعات
من الجانب الموريتاني، أكد رئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين، محمد زين العابدين ولد الشيخ أحمد، أن الوفد الأمريكي يمثل، من حيث الحجم ومستوى التمثيل، أكبر بعثة تجارية أمريكية تزور موريتانيا، مشيدًا بجهود مجموعة «واشنطن إنسايت» في تنظيم الزيارة.
وقال إن القطاع الخاص الموريتاني لم يعد، بحسب تعبيره، «مجرد مستفيد من الاستثمارات الأجنبية، بل أصبح شريكًا قادرًا على المبادرة وتصميم وتنفيذ المشاريع الكبرى».
أما نائب رئيس مجلس الأعمال الموريتاني-الأمريكي، سيدي محمد ولد كاعم، فوضع معيارًا أكثر مباشرة لقياس نتائج المنتدى، مؤكدًا أن نجاحه «لن يقاس بعدد الاجتماعات التي يتم تنظيمها أو بطاقات التعارف التي يجري تبادلها، وإنما بعدد العقود التي سيتم توقيعها والمشاريع التي ستنطلق وفرص العمل التي سيتم توفيرها».
وتختصر هذه العبارة جوهر الرهان المطروح أمام المنتدى: هل تتحول الفرص المعروضة واللقاءات التجارية إلى عقود ومشاريع فعلية؟
ولا يبدو الحراك الاقتصادي الموريتاني-الأمريكي وليد المنتدى الحالي وحده.
ففي مارس 2026، عقدت وكالة ترقية الاستثمارات في موريتانيا اجتماعًا مع وفد من مجلس الأعمال الموريتاني-الأمريكي، بحث تحديد مجالات تعاون عملية وتذليل العقبات أمام تطوير المبادلات والشراكات بين القطاع الخاص في البلدين، واتفق الطرفان على إعداد خطة عمل لتهيئة الظروف أمام فرص جديدة للأعمال والاستثمار.
ويأتي ذلك في سياق أوسع؛ إذ تصف وزارة التجارة الأمريكية موريتانيا بأنها دولة ذات موقع استراتيجي يربط شمال إفريقيا بإفريقيا جنوب الصحراء، فيما دخلت البلاد مرحلة جديدة بعد بدء تصدير الغاز الطبيعي المسال في 2025، إلى جانب توسع مشاريع الطاقة المتجددة والبنية التحتية واللوجستيات.
وعلى هامش افتتاح المنتدى، وقع النائب الأول لرئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين، محمد الأفضل ولد بتاح، ورئيس مجموعة «واشنطن إنسايت»، إسماعيل شيخون، مذكرة تفاهم لفتح آفاق جديدة أمام رجال الأعمال في البلدين وبناء علاقات اقتصادية مستدامة.
كما أكد شيخون أن هدف البعثة يتمثل في عقد لقاءات أعمال يمكن أن تقود إلى توقيع مذكرات تفاهم وإطلاق مشاريع مشتركة في الطاقة والزراعة والتحول الرقمي والتجارة الإلكترونية، واصفًا المنتدى بأنه «بداية فصل جديد في العلاقات التجارية والاقتصادية بين موريتانيا والولايات المتحدة».
وبينما تعرض موريتانيا مواردها وموقعها وحاجتها إلى رأس المال والخبرة، تأتي الشركات الأمريكية وهي تبحث عن موطئ قدم في قطاعات تتسع مع دخول البلاد عصر الغاز وتطور التعدين والطاقة والزراعة والاقتصاد الرقمي.




