حين يُذكر الفن الموريتاني الأصيل، يأتي اسم ديمي منت آبه قبل غيره؛ تلك الفنانة التي عُرفت بلقب «ديفا الصحراء»، وحملت بصوتها وآردينها جزءاً واسعاً من الذاكرة الموسيقية الحسانية إلى خارج الحدود. لم تكن ديمي مجرد مطربة تؤدي الألحان الموروثة، بل كانت امتداداً لتقليد «إيگاون» الذي يجمع بين الغناء والشعر وحفظ التاريخ والتعليق على المجتمع، قبل أن تتحول تجربتها إلى واحدة من أبرز بوابات التعريف بالموسيقى الموريتانية في العالم.
من تگانت بدأت الحكاية
وُلدت لولا بنت سيداتي ولد آبه، المعروفة فنياً بديمي منت آبه، في 25 ديسمبر 1958 بمدينة تجكجة، في ولاية تگانت. نشأت في بيئة صحراوية ارتبطت بالواحات والنخيل والهضاب، وفي بيت كان الفن فيه جزءاً من الحياة اليومية، لا مهنة منفصلة عنها. ومنذ طفولتها بدأت تتلقى أصول الغناء والعزف، قبل أن تتبلور موهبتها تدريجياً وتصبح لاحقاً واحدة من أهم الأصوات النسائية في موريتانيا.
بيت يحمل ذاكرة الفن
كانت ديمي ابنة أسرة عريقة من «إيگاون»، وهم حملة تقاليد الشعر والموسيقى والرواية الشفوية في المجتمع الموريتاني. والدها سيداتي ولد آبه كان مغنياً وملحناً، ونسبت إليه كتابة النشيد الوطني الموريتاني القديم، كما كان من الشخصيات المؤثرة في تطور الموسيقى الموريتانية الحديثة. أما والدتها منينة منت أيده، فكانت عازفة بارعة على آلة الآردين، وبدأت تعليم ديمي العزف عليها عندما بلغت العاشرة.
الآردين وأزوان
الآردين آلة وترية تقليدية ترتبط تاريخياً بالموسيقيات النساء، وتتكون من جسم يشبه القربة المغطاة بجلد الماعز وعمود خشبي وأربعة عشر وتراً. أما التيدنيت فهي آلة العزف الأساسية لدى الرجال، ذات أربعة أوتار، وقد رافقت صوت ديمي في عدد من تسجيلاتها وحفلاتها.
ومن خلال الآردين، قدمت ديمي «أزوان» في صورته الموريتانية التقليدية، لكنها لم تتعامل معه بوصفه مادة جامدة من الماضي. فقد أعادت تقديم الشعر القديم، والقصص، والمدائح، وأغاني الحب، والوطن، والاستقلال، والقضايا الإنسانية، ضمن أداء شديد الخصوصية، جمع بين قوة الصوت ودقة الإيقاع ووضوح النطق.
من الإذاعة إلى المنصة الدولية
بدأ صعود ديمي المهني في سبعينيات القرن الماضي. وفي عام 1976 فازت بمسابقة غنائية نظمتها الإذاعة الموريتانية، وهو نجاح فتح أمامها الطريق لتمثيل البلاد في مهرجان أم كلثوم بتونس. وهناك حققت الجائزة الأولى عن أغنية «صوت الفن» (Sawt Elfan)، التي حملت تصوراً واضحاً لدور الفنان في المجتمع، وقدمت الفن بوصفه قوة للتنوير والتأثير، لا مجرد وسيلة للترفيه.
كان ذلك الانتصار نقطة تحول؛ فقد أصبحت ديمي اسماً معروفاً داخل موريتانيا وخارجها، وشاركت في مهرجانات عربية وإفريقية، من بينها مهرجان الشباب العربي في العراق عام 1977، ومهرجان تيمقاد في الجزائر عام 1978، ومهرجان أكادير في المغرب عام 1986. وبحلول نهاية الثمانينيات، بدأت مرحلة جديدة قادتها إلى الجمهور الأوروبي والأمريكي.
الفن عند ديمي… ذاكرة وموقف
تميّز رصيد ديمي بأنه لم يكن محصوراً في موضوع واحد. فقد أدت قصائد وأشعاراً قديمة، وأغاني في الحب والمديح، وأعمالاً عن الاستقلال والوطن، كما حملت بعض أغانيها مواقف من قضايا سياسية وإنسانية عابرة للحدود.
ويظهر ذلك بوضوح في تسجيل «Moorish Music from Mauritania»، الذي ضم أغنية «Sawt Elfan»، وأغنية عن استقلال موريتانيا، وأخرى بعنوان «Mauritania My Beloved Country»، إلى جانب «Oh Lord Bring Apartheid Crashing Down»، وهي أغنية مناهضة لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. كما ضم التسجيل قصائد حب حسّانية وأغاني للرقص ومدائح دينية. وبذلك ظهرت ديمي في صورة الفنانة التي ترى في التراث وسيلة للتعبير عن الإنسان والمجتمع، لا مجرد استعادة للماضي.
من لندن بدأت العالمية
في عام 1989 قامت ديمي بأول جولة أوروبية، وكانت تلك الرحلة مقدمة لتسجيل عمل سيصبح محطة أساسية في تاريخ الموسيقى الموريتانية المسجلة. ففي لندن سجلت، مع زوجها خليفة ولد أيده، ألبوم «Moorish Music from Mauritania»، الذي صدر عام 1990 عن شركة World Circuit. وجاء التسجيل بعد توصية من الفنان المالي الكبير علي فركا توري، الذي لفت انتباه المنتج نيك غولد إلى تجربة ديمي.
كان الألبوم أول تسجيل استوديو بارز للموسيقى الموريتانية يصل بهذا الشكل إلى الجمهور الدولي، وضم ديمي على الغناء والآردين، وخليفة على الغناء والتيدنيت والغيتار الكهربائي، إلى جانب أصوات نسائية وإيقاعات الطبل. ولم يكتف الألبوم بتقديم الموسيقى الموريتانية، بل كشف للعالم عن نظام موسيقي وإيقاعي ظل طويلاً بعيداً عن دوائر صناعة الموسيقى العالمية.
وفي عام 1992 صدر لها ألبوم آخر بعنوان «Music and Songs of Mauritania» عن شركة Auvidis Ethnic، وكان أكثر ارتباطاً بتجربتها الشخصية وبالموروث الموريتاني.
وفي مسيرتها حصدت أيضاً تقديرات أخرى؛ فقد نالت ميدالية ذهبية للصوت في معرض إفريقي عربي بجوهانسبرغ عام 1996، ثم ميدالية ذهبية أخرى في معرض مماثل بداكار عام 1999، بما يعكس مكانتها خارج حدود بلدها.
من إفريقيا والعالم العربي إلى أوروبا وأمريكا
ثم جاءت سنة 2006 بمحطة مهمة، عندما شاركت في مهرجان WOMAD في بريطانيا، وظهرت كذلك في حفلات BBC Proms في قاعة ألبرت الملكية بلندن، في تقديم اعتُبر محطة بارزة للموسيقى الموريتانية في ذلك المحفل. وهناك بدت ديمي وهي تعزف آردينها وتقدم صوتها القوي في مشهد يجمع بين تقاليد الصحراء ومنصة عالمية.
وفي مارس 2009 ظهرت في باريس ضمن سلسلة «Jazz au Quai Branly»، في حفل جمعها بعازف الطبول الأمريكي الشهير جاك ديجونيت. وكان ذلك من آخر عروضها البارزة، قبل أن تتراجع صحتها إثر الحادث الذي سبق رحيلها.
إرث يتجاوز الغناء
لم يكن تأثير ديمي مرتبطاً بعدد التسجيلات أو الحفلات وحدها. فقد أصبحت نموذجاً لفنانة استطاعت أن تحمل موسيقى بلد قليل الظهور على الخريطة العالمية، من دون أن تتخلى عن لغتها الفنية أو جذورها. كما أسهمت في نقل تقاليد «إيگاون» إلى جيل جديد داخل أسرتها، وواصلت ابنتها فيروز منت سيمالي، وكذلك ابنة زوجها نورة منت سيمالي، مساراً موسيقياً ارتبط بالإرث الذي تركته ديمي.
الرحيل وبقاء الصوت
في 4 يونيو 2011 رحلت ديمي منت آبه في المغرب، بعد إصابتها بنزيف دماغي أعقب حادثاً تعرضت له خلال إحدى حفلاتها. كانت في الثانية والخمسين من عمرها، لكن أثرها تجاوز بكثير سنوات حياتها.
رحلت صاحبة «صوت الفن»، وبقي صوتها حاضراً في التسجيلات وفي ذاكرة الموريتانيين، وفي أعمال الفنانين الذين واصلوا الطريق بعدها. ومن تجكجة إلى لندن وباريس، ومن الآردين إلى المسارح الدولية، اختزلت ديمي في مسيرتها قصة انتقال الفن الموريتاني من فضائه المحلي إلى العالم، مع الاحتفاظ بروحه الأولى.
لهذا، حين يُستعاد اسم ديمي منت آبه اليوم، لا تُستعاد مغنية فقط، وإنما تُستعاد مرحلة كاملة من تاريخ أزوان الموريتاني؛ مرحلة جعلت من الصوت النسائي، والآردين، والشعر الحساني، أدوات لتعريف العالم ببلد الصحراء، وأثبتت أن التراث حين يحمله فنان كبير لا يبقى أسيراً للماضي، بل يستطيع أن يعيش ويتجدد ويصل إلى أبعد مما يتخيل أصحابه.