تحقيقات

الدين العام: أين تذهب القروض؟

ديون موريتانيا 2021–2026 بين انخفاض نسبتها إلى الناتج وكلفة الاقتراض وأثره على التنمية

تطرح أرقام الدين العام في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة سؤالاً يتجاوز حجم الاقتراض إلى الغاية التي يُستخدم من أجلها: هل تتحول القروض إلى استثمارات ترفع الإنتاج وتخلق فرص العمل وتحسن الخدمات، أم أن انخفاض نسبة الدين إلى الناتج يخفي تحديات أخرى مرتبطة بكفاءة الإنفاق واستدامة المالية العامة؟

وتظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي تراجعت من 52.4% عام 2021 إلى 43.5% عام 2024، ثم إلى 39.9% في 2025، مع توقع ارتفاعها قليلاً إلى 40.7% في 2026 قبل أن تتجه مجدداً إلى الانخفاض في السنوات اللاحقة. وبذلك لا تؤيد البيانات الحالية القول إن الدين العام تضاعف كنسبة من حجم الاقتصاد خلال السنوات الخمس الأخيرة.

الدين الخارجي.. نحو 4 مليارات دولار

المفارقة الأبرز تظهر في الدين الخارجي العام. فقد بلغ نحو 4.204 مليار دولار عام 2021، مقابل حوالي 4.052 مليار دولار في 2025، ويتوقع صندوق النقد أن يصل إلى نحو 4.198 مليار دولار في 2026.

أي أن القيمة الاسمية للدين الخارجي بقيت قريبة من مستوى أربعة مليارات دولار، بينما انخفضت نسبته إلى الناتج من 45.8% عام 2021 إلى 33.3% في 2025، مع توقع بلوغها 30.4% في 2026.

ويعني ذلك أن جزءاً مهماً من تحسن مؤشرات الدين جاء نتيجة نمو الناتج المحلي، وليس نتيجة انخفاض كبير ومستمر في القيمة الاسمية للدين الخارجي.

كلفة الدين لا تختفي بانخفاض نسبته

انخفاض الدين كنسبة من الناتج لا يعني أن الاقتراض بلا كلفة على المالية العامة.

ويقدر صندوق النقد خدمة الدين العام الخارجي والداخلي المضمون بنحو 844.8 مليون دولار في 2026، لترتفع إلى حوالي 894.5 مليون دولار في 2027. وتشكل خدمة الدين بذلك التزاماً مالياً يستحوذ على موارد كان يمكن توجيه جزء منها إلى قطاعات أخرى.

وفي نهاية 2025، بلغ إجمالي الدين العام المضمون نحو 4.95 مليار دولار، أي ما يعادل 40.7% من الناتج وفق تعريف تحليل استدامة الدين المستخدم في التقرير، فيما شكل الدين الخارجي نحو 81.9% من إجمالي الدين العام المضمون.

وتصنف دراسة الصندوق والبنك الدولي مخاطر الدين الخارجي والعام في موريتانيا عند مستوى متوسط، مع وجود مساحة محدودة لامتصاص الصدمات، ما يعني أن الوضع لا يُوصف في التقرير كأزمة ديون، لكنه يظل حساساً أمام الصدمات الخارجية.

أين تظهر مشكلة «جدوى الدين»؟

السؤال الاقتصادي الأهم ليس فقط: كم اقترضت الدولة؟

بل: ماذا أنتج هذا الاقتراض؟

خصصت موريتانيا في السنوات الأخيرة نسبة مهمة من الناتج للاستثمار العام؛ وبلغ الإنفاق الرأسمالي وفق أرقام الصندوق 10.2% من الناتج في 2025، مع توقع ارتفاعه إلى 10.7% في 2026.

لكن حجم الإنفاق الاستثماري وحده لا يكفي للحكم على أثره. فالصندوق يركز في برنامجه الجديد على تحسين كفاءة الاستثمار العام، وتتبع الإنفاق الاجتماعي، ونشر معلومات أكثر تفصيلاً حول المؤسسات العمومية والمشاريع.

كما التزمت السلطات بإجراء مسح لتتبع الإنفاق العام في قطاعي الصحة والتعليم ونشر نتائجه المتعلقة بعام 2025 قبل نهاية ديسمبر 2026، بهدف معرفة مسار الأموال العامة ومدى وصولها إلى الخدمات المستهدفة.

النمو موجود.. لكن الوظائف هي الاختبار

حقق الاقتصاد الموريتاني معدلات نمو قوية في بعض السنوات، مدفوعة خصوصاً بالأنشطة الاستخراجية والاستثمارات الكبرى.

لكن تقرير البنك الدولي للنمو والوظائف لعام 2025 يلفت إلى أن متوسط النمو الاقتصادي خلال العقدين الماضيين بلغ نحو 3.5% سنوياً، وهو أقل من طموحات البلاد ومن متوسط مجموعة من الدول المقارنة.

ويشير التقرير إلى أن الصناعات الاستخراجية كثيفة رأس المال وتوفر حصة محدودة من الوظائف، إذ لا تتجاوز مساهمتها نحو 1.2% من إجمالي فرص العمل، رغم وزنها الكبير في الناتج والصادرات.

كما يقدر البنك الدولي أن أكثر من 90% من قوة العمل تعمل في القطاع غير الرسمي، بينما لا تزال مشاركة النساء في سوق العمل منخفضة.

وهنا تظهر إحدى مشكلات الاقتراض والاستثمار العام: يمكن لمشروع أن يرفع الناتج أو الصادرات دون أن ينتج بالضرورة عدداً كبيراً من الوظائف المباشرة أو دخلاً واسع الانتشار.

الفقر.. قراءة الأرقام تحتاج إلى حذر

يورد تقرير البنك الدولي للنمو والوظائف تقديراً لارتفاع معدل الفقر من 31.8% عام 2019 إلى 34.3% عام 2023 وفق خط الفقر والمنهجية المستخدمة في التقرير.

لكن بيانات البنك الدولي الأحدث تشير إلى تقديرات مختلفة عند استخدام خطوط فقر ومنهجيات أحدث، وتقدر نسبة الفقر لعام 2025 عند 25.2% وفق مقياسها المستخدم في أحدث تحديث قطري.

لذلك لا يصح وضع هذه النسب جنباً إلى جنب دون الإشارة إلى اختلاف سنة القياس وخط الفقر والمنهجية. والمعلومة الأهم في سياق هذا التحقيق أن البنك الدولي نفسه يؤكد استمرار تحديات الفقر، وضعف جودة الوظائف، وبطء التحول الهيكلي للاقتصاد.

الثروة المعدنية.. مصدر قوة ومصدر اختبار

تظل الموارد الاستخراجية محوراً أساسياً في الاقتصاد الموريتاني.

وتشير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية إلى أن القطاع الاستخراجي شكل في 2023 نحو 76.28% من الصادرات و18.91% من الناتج المحلي، وهو ما يوضح حجم اعتماد الاقتصاد على الحديد والذهب والنحاس والغاز وغيرها من الموارد.

لكن تقرير البنك الدولي يحذر من أن نموذج النمو القائم على الصناعات الاستخراجية لا يكفي وحده لتحقيق نمو شامل، لأن هذه القطاعات كثيفة رأس المال وتخلق وظائف محدودة مقارنة بحجم مساهمتها في الاقتصاد.

ومن هنا يصبح السؤال عن القروض مرتبطاً أيضاً بالسؤال عن عائد الموارد الطبيعية: هل تستخدم الإيرادات الناتجة عن التعدين والغاز لتمويل بنية تحتية ورأس مال بشري وقطاعات قادرة على خلق وظائف، أم تبقى المالية العامة مرتبطة بدورات أسعار السلع الأساسية؟

المؤسسات العمومية.. حلقة أخرى في الحساب

تكشف بيانات صندوق النقد عن وجود 192 مؤسسة ومنشأة عمومية، منها 56 مؤسسة تجارية.

وخلال 2025، دفعت هذه المؤسسات نحو 4.8 مليار أوقية جديدة للخزينة، بينما تلقت نحو 4.9 مليار أوقية من الدعم والتحويلات.

ولا يعني ذلك أن جميع المؤسسات العمومية خاسرة، لكنه يوضح حجم العلاقة المالية المتبادلة بينها وبين الدولة، ويبرر تركيز الإصلاحات الحالية على نشر البيانات، وتحسين الحوكمة، ومراقبة المخاطر المالية التي يمكن أن تنتقل في النهاية إلى الميزانية العامة.

ويشير صندوق النقد إلى وجود فجوات في البيانات والشفافية المتعلقة بالمؤسسات العمومية، مع إجراءات مقررة لتحسين جمع ونشر البيانات المالية والتقارير المدققة.

ماذا عن التعدين والغاز؟

يرى البنك الدولي أن الاستفادة من الموارد الاستخراجية ينبغي ألا تقتصر على زيادة الصادرات والإيرادات، بل أن تتحول إلى استثمار في قطاعات أخرى أكثر قدرة على خلق فرص العمل.

وتؤكد مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية أهمية القطاع بالنسبة للاقتصاد، فيما يغطي تقريرها لعام 2024 بيانات قطاعات التعدين والهيدروكربونات والغاز، إضافة إلى جوانب الحوكمة والإيرادات والإفصاح.

أما مشروع الغاز «تورتو أحميم الكبير»، فقد بدأ الإنتاج والتصدير في مرحلة جديدة من الاقتصاد الموريتاني، لكنه يأتي في ظل نموذج تكون فيه الاستثمارات الأولية واسترداد التكاليف عاملاً مهماً في تحديد توقيت وحجم العوائد الحكومية.

ولهذا فإن شفافية العقود وتدقيق التكاليف القابلة للاسترداد ونشر البيانات المالية تمثل عناصر أساسية في تقييم العائد الحقيقي للثروة الغازية على المالية العامة.

هل الدين مفيد لموريتانيا؟

الأرقام لا تسمح بإجابة بسيطة بنعم أو لا.

من جهة، انخفضت نسبة الدين العام إلى الناتج بصورة واضحة منذ 2021، وتظل موريتانيا، وفق تقييم صندوق النقد والبنك الدولي، ضمن مستوى مخاطر دين «متوسط»، مع استمرار احتياطيات نقدية وقدرة على خدمة الالتزامات.

ومن جهة أخرى، لا يكفي انخفاض نسبة الدين لإثبات أن الاقتراض حقق أفضل عائد اقتصادي واجتماعي ممكن.

فالمعيار الأكثر أهمية هو ما إذا كانت القروض والاستثمارات العامة تؤدي إلى زيادة الإنتاجية، وخلق وظائف مستقرة، وتحسين التعليم والصحة، وتوسيع البنية التحتية، وتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد المفرط على التعدين والمحروقات.

وتقرير البنك الدولي يصف التحدي بوضوح: الاقتصاد حقق نمواً تقوده الموارد الطبيعية، لكن فرص العمل المنتجة خارج الصناعات الاستخراجية لا تزال محدودة، والاستثمار في القطاعات غير الاستخراجية يحتاج إلى توسع.

الشفافية.. الحلقة التي تحسم السؤال

تتجه الإصلاحات الحالية نحو زيادة شفافية المالية العامة والمؤسسات العمومية والمشتريات العامة.

ومن الإجراءات التي يجري العمل عليها تحسين نشر بيانات المؤسسات العمومية، وتعزيز التصريح بالممتلكات، وتشديد شفافية المشتريات، ونشر معلومات الملكية المستفيدة للشركات المتعاقدة مع الدولة، إضافة إلى تتبع الإنفاق في الصحة والتعليم.

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة لأن السؤال عن الدين لا يمكن أن يُفصل عن السؤال عن كفاءة استخدام المال العام.

فالقرض الذي يمول مشروعاً منتجاً، قابلاً للقياس، ويزيد الإيرادات أو الإنتاجية أو فرص العمل، يختلف اقتصادياً عن قرض يذهب إلى إنفاق لا يولد عائداً مستقبلياً.

الخلاصة: المشكلة ليست في القرض وحده

تكشف أرقام 2021–2026 أن مقولة «تضاعف الدين أضعافاً خلال خمس سنوات» لا تنسجم مع بيانات صندوق النقد بشأن نسبة الدين إلى الناتج، كما أن الدين الخارجي الاسمي ظل قريباً من أربعة مليارات دولار.

لكن انخفاض نسبة الدين لا يحسم وحده سؤال الجدوى.

المؤشر الحاسم هو العائد التنموي للدين: كم وظيفة خلق؟ كم مدرسة ومركزاً صحياً وطريقاً وشبكة مياه وكهرباء أنجز؟ كم زاد الإنتاج المحلي؟ وكم ساهم في تقليل الاعتماد على قطاع واحد؟

وتضع البيانات المتاحة موريتانيا أمام معادلة واضحة: الدين قابل للإدارة وفق التقييم الدولي الحالي، لكن كفاءة استخدام المال المقترض تظل الاختبار الحقيقي لاستدامته الاقتصادية والاجتماعية.

ولذلك فإن نشر بيانات الدين بصورة دورية، وربط كل قرض بالمشروع الذي يموله، ونشر دراسات الجدوى والعقود الكبرى، وتدقيق تكاليف مشاريع التعدين والغاز، وقياس نتائج الإنفاق في الصحة والتعليم، ليست إجراءات محاسبية فقط؛ بل أدوات تمكن المواطن من معرفة أين ذهبت الأموال وما الذي عاد عليه منها.

المصادر الرئيسية: صندوق النقد الدولي، تقرير موريتانيا رقم 26/158، يونيو 2026؛ البنك الدولي، Mauritania Country Growth & Jobs Report 2025؛ بيانات وتقارير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية EITI؛ بيانات البنك الدولي. إعداد: 28 سبتمبر 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى