قصف حدودي يقتل منقبًا موريتانيًا
توفي المنقب الموريتاني جدو ولد سيدي محمد الفاظل، إثر قصف استهدف مجموعة من المنقبين في منطقة «كليبات الفولة»، الواقعة شرق الجدار الرملي في الصحراء الغربية، قرب الشريط الحدودي مع موريتانيا، وفق معلومات أوردتها مصادر إعلامية موريتانية، فيما تحدثت صحيفة «هسبريس» المغربية عن استهداف المجموعة بطائرة مسيّرة مغربية.
وأفادت مصادر متطابقة بأن جثمان المنقب وصل إلى مدينة افديرك بولاية تيرس الزمور، بعد مقتله في الهجوم الذي استهدف المجموعة يوم الاثنين، دون توفر حصيلة مؤكدة بشأن بقية الأشخاص الذين كانوا في المكان.
ونشرت «هسبريس»، الثلاثاء 20 أكتوبر، تقريرًا قالت فيه إنها نقلت عن مصدر موريتاني مطلع من نقابات التعدين الأهلي أن طائرة مسيّرة تابعة للقوات المسلحة الملكية المغربية قصفت مجموعة من المنقبين الموريتانيين في كليبات الفولة، ما أدى إلى مقتل أحدهم.
وأضافت الصحيفة أن قصفًا آخر استهدف منقبين قرب مقاطعة أم كرين في اليوم نفسه، باستخدام قذائف، دون تسجيل قتلى في الحادث الثاني. ولم تقدم المعلومات المنشورة توثيقًا مستقلًا لهوية منفذي الهجومين، كما لم يصدر إعلان رسمي موريتاني يحسم ملابسات الحادث.
منطقة حدودية شديدة الحساسية
تقع كليبات الفولة، المعروفة أيضًا باسم «أكليبات الفولة»، في منطقة الصحراء الغربية الواقعة شرق الجدار الرملي الذي أقامه المغرب، ضمن نطاق قريب من مناطق التماس العسكري بين القوات المغربية وجبهة البوليساريو.
ويمثل الجدار الرملي خطًا عسكريًا فاصلًا بين مناطق تسيطر عليها القوات المغربية وأخرى تسيطر عليها جبهة البوليساريو، بينما تمتد المناطق القريبة من الحدود الشمالية لموريتانيا ضمن مجال جغرافي تتداخل فيه أنشطة التنقيب الأهلي مع مخاطر النزاع المسلح.
ويكتسب الموقع حساسيته من وجود منقبين موريتانيين يتنقلون بحثًا عن الذهب خارج الحدود الوطنية، أحيانًا في مناطق تصنفها التقارير الإعلامية مناطق عازلة أو محظورة على المدنيين، وتراقبها القوات المغربية بوسائل تشمل الطائرات المسيّرة والرادارات وأنظمة الرصد.
وسبق أن حذرت السلطات الموريتانية المنقبين من تجاوز الحدود الوطنية والاقتراب من المناطق العسكرية، فيما ظل استمرار التنقيب خارج الأراضي الموريتانية مصدر قلق أمني، بالنظر إلى تكرار حوادث القصف وإطلاق النار وسقوط ضحايا.
سجل متكرر لضحايا موريتانيين بين 2022 و2026
لا يمثل مقتل منقب في كليبات الفولة حادثًا معزولًا؛ فقد شهدت المنطقة ومواقع أخرى في الصحراء الغربية حوادث متكررة أوقعت قتلى موريتانيين خلال السنوات الأخيرة.
ففي يناير 2022، لقي ثلاثة منقبين موريتانيين مصرعهم في قصف بمنطقة كليبات الفولة، وفق تقارير إعلامية موريتانية نقلت أن الهجوم وقع قرب الجدار الرملي، من دون تحديد رسمي للجهة المنفذة آنذاك.
وفي سبتمبر من العام نفسه، أفادت وكالة «مدار» بمقتل منقبين موريتانيين وإصابة ثالث إثر غارة بطائرة مسيّرة استهدفت أربع سيارات في المنطقة نفسها خارج الحدود الموريتانية. ونُقل المصاب إلى مستشفى ازويرات، فيما نُقلت جثتا القتيلين إلى منطقة المالحات.
وفي نهاية ديسمبر 2023، وبحسب تقارير نشرتها وسائل إعلام موريتانية ومغربية مطلع يناير 2024، قُتل ثلاثة أشخاص في حادث قصف أو انفجار قرب الحدود الشمالية لموريتانيا. ونقلت «هسبريس» عن وسائل إعلام موريتانية أن الضحايا منقبون موريتانيون، وأن الحادث وقع خارج الأراضي الموريتانية.
وفي أكتوبر 2024، وثق تقرير للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء الغربية تحقيق بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو» في قصف مدفعي بمنطقة ميجيك يوم 15 أكتوبر. وأفاد شهود محليون بمقتل ثلاثة أشخاص، بينهم موريتانيان وسوداني، قيل إنهم كانوا يعملون في التنقيب الأهلي عن الذهب.
وفي مايو 2025، تحدثت تقارير موريتانية عن مقتل منقبين موريتانيين إثر استهداف سيارتهما قرب مجهر كارزرز، خارج الحدود الشمالية للبلاد. كما أورد التقرير الأممي تحقيقًا أجرته «مينورسو» في ضربة بطائرة مسيّرة بمنطقة ميجيك يوم 16 مايو، رصدت خلالها البعثة تدمير سيارة، وأبلغها شهود محليون بمقتل منقبين موريتانيين.
وفي يونيو 2026، شهدت حادثة قصف في منطقة أكليبات الفولة خلافًا بشأن هوية المستهدفين؛ إذ قالت «هسبريس» إن طائرة مسيّرة مغربية استهدفت سيارتين في المنطقة العازلة، بينما نفى ائتلاف نقابات التعدين الأهلي بولاية تيرس الزمور أن يكون المستهدفون منقبين موريتانيين، وقال إنهم صحراويون. وأكدت الصحيفة أن ملابسات الحادث وهوية المستهدفين لم تخضع لتحقق مستقل.
وفي سبتمبر 2026، نشرت «هسبريس» تقريرًا عن قصف بطائرة مسيّرة استهدف سيارتين قرب كارزرز، قالت إنهما تعودان لصحراويين منحدرين من مخيمات تندوف، وأفادت بإصابة شخصين دون تسجيل وفيات.
وتعكس هذه الوقائع تكرار المخاطر التي يتعرض لها المنقبون في المناطق القريبة من خطوط التماس، لكنها لا تعني بالضرورة أن جميع الحوادث وقعت في الظروف نفسها أو أن الجهة المنفذة واحدة في كل مرة.
من يقف وراء القصف؟
تتجه الشبهات في الحادث الأخير نحو القوات المغربية، استنادًا إلى ما نشرته «هسبريس» نقلًا عن مصدر نقابي موريتاني، وإلى تقارير سابقة نسبت هجمات مماثلة إلى طائرات مسيّرة مغربية أو قصف مدفعي مغربي.
غير أن تحديد المسؤولية النهائية يتطلب التمييز بين ما تنقله المصادر المحلية وما تثبته التحقيقات المستقلة. فالتقرير الأممي بشأن حوادث ميجيك وثق ضربات عسكرية وأقوال شهود عن سقوط ضحايا، لكنه لا يشكل دليلًا مستقلًا على هوية منفذ حادث كليبات الفولة الأخير.
وتبرز في هذا السياق صعوبة التحقق من طبيعة التحركات في المنطقة العازلة، التي تشهد نزاعًا مسلحًا بين المغرب وجبهة البوليساريو. كما أن قرب مواقع التنقيب من الجدار الرملي يجعل وجود المدنيين في نطاق عسكري مصدر خطر مباشر، بصرف النظر عن الجهة التي تنفذ الهجمات.
ويعيد مقتل المنقب الموريتاني طرح أسئلة بشأن سبل حماية المواطنين، وفعالية التحذيرات الرسمية، وإمكان تعزيز الرقابة على المناطق الحدودية والتنسيق لتجنب تكرار سقوط الضحايا.
وحتى صدور توضيح رسمي أو ظهور أدلة مستقلة بشأن الهجوم الأخير، تبقى هوية الجهة المنفذة وفق المعطيات المتاحة منسوبة إلى مصادر إعلامية، لا حقيقة حُسمت رسميًا.




